Site icon المفوضية المصرية للحقوق والحريات

حين تتحول الهوية إلى اتهام: كيف تلاحق السلطة العابرات جندريا عبر قوانين الفجور والآداب؟

(ورقة موقف)

إعداد- أسماء زيدان

مقدمة

في 17 يونيو 2026، ألقي القبض على شابة عابرة جندريا أثناء مرورها في الطريق العام بمنطقة عابدين، وبحسب ما تم الكشف عنه لم تبدأ الواقعة من أوراق الضبط وما طرحه الدفاع، من فعل مادي محدد نسب إليها في مكان عام، بل من وجودها في الشارع ومظهرها وما افترضته جهة الضبط٬ ورغم تعرضها للاختفاء وإنكار وجودها سواء في الكمين أو قسم الشرطة٬ إلا أنه وفي اليوم التالي، جرى التحقيق معها أمام نيابة عابدين، قبل إحالتها إلى محكمة الجنح، بتهمة “اعتياد ممارسة الفجور”. وفي أولى جلسات نظر القضية، قررت المحكمة إخلاء سبيلها وتأجيل الدعوى إلى جلسة لاحقة من نفس الشهر.

وباشرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات الدفاع عنها، في ملف لا تراه المفوضية واقعة منفصلة أو حالة فردية معزولة، بل امتدادا لحالات أخرى عملت عليها أو رصدتها، يظهر فيها النمط ذاته٬ حيث يبدأ الاشتباه من المظهر أو التعبير الجندري أو عدم تطابق الهيئة الخارجية مع خانة النوع في الأوراق الرسمية، ثم يعاد ترتيب الواقعة داخل محضر الضبط تحت اتهامات فضفاضة مثل الفجور أو التحريض أو الفعل الفاضح، أو حتى مخالفة قيم الأسرة المصرية.

ولا تقف خبرة المفوضية عند هذه القضية، ففي حالة أخرى جرى القبض على صانعة محتوى عابرة جندريا تنشر مقاطع على منصة “تيك توك”، ووجهت إليها اتهامات مشابهة مرتبطة بالفجور والآداب، قبل إخلاء سبيلها مع استمرار انتظار محاكمتها أو حفظ التحقيقات. لم تكن الواقعة مرتبطة بظهورها الرقمي فقط، بل ارتبطت أيضا بحالة وصم اجتماعي وإعلامي واسعة، فيما تجاهل الجميع محاولتها لتغيير أوراقها الرسمية والحصول على موافقة اللجنة المختصة لإجراء عملية تصحيح الجنس، وهي محاولات اصطدمت بالرفض أو التعطيل.

تكشف الحالتان معا عن وجهين للنمط نفسه. في قضية عابدين، بدأ الاشتباه من الطريق العام، وفي حالة صانعة المحتوى، بدأ من الظهور الرقمي، لكن النتيجة القانونية متقاربة إذ يعاد تأويل المظهر أو التعبير الجندري أو الوجود العلني، سواء في الشارع أو على الانترنت، بوصفه مدخلا لاتهامات جنائية فضفاضة، وبين الحالتين يظهر الخيط نفسه٬ لا يوجد مسار فعال لتعديل الأوراق أو الحصول على اعتراف طبي وقانوني، ثم يستخدم غياب هذا المسار نفسه كجزء من الاشتباه والوصم.

تكتسب قضية عابدين، وما يشبهها من حالات، أهميتها من سؤال بسيط لكنه كاشف عن متى يتحول مرور شخص في الطريق العام، أو ظهوره على منصة رقمية، إلى شبهة جنائية؟ وما الفعل الذي يجعل المظهر وحده مدخلا للقبض والتحقيق والاحالة إلى المحاكمة؟.

لا تسعى هذه الورقة الى التعليق على موضوع قضية منظورة أمام القضاء، ولا إلى مصادرة تقدير المحكمة لوقائعها، لكنها تستخدم القضية كمدخل لفحص الإطار الأوسع الذي يسمح بتحويل الهوية الجندرية أو التعبير عنها إلى موضوع للاشتباه الجنائي.

لا يتضمن القانون المصري نصًا مستقلاً يجرّم العبور الجندري، كما لا يعرف جريمة باسم “التشبه بالجنس الآخر”، رغم شيوع هذا الوصف في بعض الخطابات الإعلامية والأمنية. ويؤدي هذا الفراغ التشريعي إلى وضع ملتبس يجد فيه العابرون والعابرات جندريًا أنفسهم عالقين بين مسارات قانونية وطبية وإدارية متعارضة. فمن ناحية، يطلب منهم الحصول على تقارير طبية أو موافقات رسمية لإثبات حالتهم أو تعديل بياناتهم القانونية، ومن ناحية أخرى تفرض قيود مهنية وإدارية تحدّ من إمكانية الحصول على الرعاية المؤكدة للنوع الاجتماعي أو استكمال الإجراءات اللازمة. كما قد تتعطل أعمال اللجان المختصة، أو تمتنع عن الفصل في الطلبات، أو تفرض شروطًا يصعب استيفاؤها عمليًا. وهكذا يصبح الشخص محاصرًا بين مسار طبي لا يتاح له الوصول إليه بصورة فعالة، ومسار إداري لا يكتمل، وإطار تشريعي لا يعترف بوضعه ولا ينظمه بشكل واضح.

وفي ظل هذا الفراغ، لا تتم الملاحقة عادة عبر اتهام مباشر بفعل يجرّمه القانون صراحة، وإنما من خلال التوسع في تفسير نصوص فضفاضة تتعلق بالفجور أو التحريض أو الآداب العامة أو قيم الأسرة. وقد ظهر ذلك بوضوح في عدد من القضايا التي استخدم فيها وصف “التشبه” باعتباره أحد صور الاعتداء على قيم الأسرة المصرية أو ما وُصف بالخروج عن “الفطرة السليمة”، كما في قضية “بيج ياسمين”. وبهذا النهج تُستدعى معايير اجتماعية وأخلاقية لا تستند إلى نصوص تجريمية محددة لإضفاء طابع غير مباشر من التجريم على الأشخاص العابرين والعابرات جندريًا. وبدلًا من معالجة التناقض القائم بين الواقع الاجتماعي والإطار القانوني، يُعاد إنتاجه من خلال ممارسات إنفاذ القانون التي توسع نطاق التجريم ليشمل أوضاعًا لم يجرمها المشرع صراحة. ونتيجة لذلك يجد الأشخاص العابرون والعابرات جندريًا أنفسهم عرضة للملاحقة والوصم والتمييز بسبب فجوة قانونية وإدارية لم يتسببوا في صنعها، بل تفرض عليهم من خلال منظومة لا تتيح لهم استكمال مسار الاعتراف القانوني أو الحصول على الرعاية اللازمة، ثم تعاقبهم على آثار هذا التعطيل نفسه.

من هنا، تحاول هذه الورقة تفكيك البنية القانونية والممارسات التنفيذية التي تجعل مثل هذه القضايا ممكنة مع البحث عن كيفية استغلال نصوص لم توضع أصلا لتنظيم الهوية الجندرية في ملاحقة العابرين والعابرات، حتى في ظل غياب الركن المادي والقصد الجنائي، إذ كيف يتحول غياب الاعتراف القانوني الى أداة اشتباه؟ ولماذا لا يمكن فصل وقف الملاحقات الجنائية عن إصلاح المسار الطبي، والنقابي، والإداري، والتشريعي؟

ملخص تنفيذي

تكشف القضية سالفة الذكر إلى جانب حالات عديدة باشرتها المفوضية على مدى سنوات – يصعب الإعلان عنها في حالات كثر لأسباب أمنية والوصم المجتمعي – عن نمط متكرر في التعامل مع العابرين والعابرات جندريا في مصر. لا يوجد نص صريح يجرم الهوية الجندرية أو التعبير عنها، لكن الممارسة العملية تنتج تجريما – بشكل غير مباشر – عبر استخدام نصوص فضفاضة من قوانين الآداب ومكافحة الدعارة والعقوبات والجرائم الالكترونية.

جوهر هذا النمط لا يكمن فقط في نوع الاتهام الموجه، بل في لحظة بناء الاشتباه نفسها، حيث يصبح الجسد غير النمطي محل مراقبة، وتصبح الهوية ذاتها قرينة الاشتباه والتجريم الجندري. وتزداد خطورة هذا النمط حين يوضع داخل سياق طبي وإداري مغلق، فالأشخاص٬ العابرون والعابرات جندريا يطلب منهم، عمليا، تقديم تقارير طبية أو الحصول على موافقات من جهات مختصة لتعديل أوراقهم أو إثبات حالتهم، وفي الوقت نفسه، تقيد القواعد المهنية والنقابية قدرة الأطباء على تقديم الرعاية الطبية المؤكدة للنوع أو تحرير التقارير اللازمة.

ولا يقتصر أثر غياب التشريع على المجال الجنائي، بل يمتد إلى تنظيم مسارات الاعتراف القانوني والطبي بالعبور الجندري. فالقانون المصري لا يتضمن تعريفًا للعبور الجندري ولا ينظم إجراءاته أو آثاره القانونية، كما لا يضع إطارًا تشريعيًا واضحًا للتعامل مع طلبات تعديل النوع الاجتماعي أو البيانات الرسمية. وفي ظل هذا الفراغ، أصبحت لائحة آداب مهنة الطب إحدى المرجعيات الأساسية الحاكمة لهذه المسألة، وهي لائحة تحظر “تغيير الجنس” وتجيز فقط “تصحيح الجنس”. غير أن اللائحة لا تقدم تعريفًا حاسمًا للفصل بين المفهومين أو تحدد معايير واضحة للتمييز بينهما، الأمر الذي ترك مساحة واسعة للتفسير والتقدير. وانعكس ذلك على عمل اللجنة المختصة، التي اتجهت في بعض الفترات إلى التعامل بحذر أو تحفظ مع الطلبات المقدمة من أشخاص شخصوا باضطراب الهوية الجنسية، استنادًا إلى اعتبار أن بعض هذه الحالات تثير إشكاليات تتعلق بالتمييز بين “التصحيح” و”التغيير” في ظل غياب تنظيم تشريعي واضح للمسألة. وقد ترتب على ذلك، في بعض الحالات، رفض استلام الطلبات أو عدم استكمال إجراءات النظر فيها.

وفي حالات أخرى، تمتنع اللجنة المختصة عن الانعقاد أو البت في الطلبات، أو تطلب مستندات وتقارير يصعب على أصحابها الحصول عليها أصلًا في ظل القيود القائمة على مسارات الرعاية والإثبات الطبي. وبهذا يصبح الشخص عالقًا في حلقة إجرائية مغلقة؛ إذ يُطلب منه مستند لا يستطيع الحصول عليه، ثم يُستخدم غياب هذا المستند ذاته سببًا لتأجيل طلبه أو رفضه أو الامتناع عن الفصل فيه.

ومن جهة أخرى، لا يتوزع الاشتباه أو التعرض للانتهاكات بالتساوي داخل الفئة نفسها. فالعابرات جندريًا غالبًا ما يواجهن قدرًا أكبر من الوصم الجنسي والأمني، نتيجة ربط التعبير الجندري الأنثوي باتهامات الفجور أو خدش الحياء أو الاعتداء على القيم الاجتماعية السائدة. وفي المقابل، يواجه العابرون الرجال أشكالًا مختلفة من الإنكار والعنف والإقصاء، خصوصًا داخل الأسرة والمؤسسات الطبية والإدارية. ولا يعني ذلك أن إحدى الفئتين أقل تعرضًا للانتهاك من الأخرى، بل إن أنماط المخاطر تختلف باختلاف التصورات الاجتماعية والقانونية السائدة، حيث يُنظر إلى العبور في اتجاه الأنوثة بوصفه تهديدًا أخلاقيًا أشد، بما ينعكس على طبيعة الملاحقة والوصم الواقعين على العابرات جندريًا.

تسعى الورقة إلى تفكيك هذا النمط من خلال تحليل المواد القانونية الأكثر استخداما في هذه القضايا، وعلى رأسها قانون مكافحة الدعارة رقم 10 لسنة 1961، والمادة 269 مكرر من قانون العقوبات، والمادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والمادة 278 الخاصة بالفعل الفاضح العلني. كما تناقش الورقة غياب أي أساس قانوني مستقل لما يسمى التشبه بالجنس الآخر، وتوضح كيف تستخدم هذه العبارة كمدخل أمني للاشتباه لا كتهمة قانونية قائمة بذاتها.

وتخلص الورقة إلى أن حماية العابرين والعابرات جندريا لا يتطلب فقط وقف الملاحقات القائمة على المظهر أو التعبير الجندري، بل يتطلب أيضا إصلاح المسار التشريعي والطبي والإداري، وضمان الحق في الرعاية الصحية، وحظر الفحوص القسرية، ووضع بروتوكولات حماية داخل أماكن الاحتجاز، ومراجعة النصوص الفضفاضة التي تسمح بتحويل الهوية إلى شبهة.

ما الذي نناقشه هنا؟

هذه الورقة لا تقف عند سؤال نظري عن وضع العابرين والعابرات جندريا في القانون المصري، بل تمتد إلى سؤال عملي يتكرر في ملفات الدفاع عن كيفية تحول واقعة وجود شخص في الطريق العام، أو ظهوره على وسائل التواصل، إلى قضية جنائية؟.

تنبع أهمية هذا السؤال من أن القانون المصري في صيغته الحالية، لا يتضمن نصا يعاقب على العبور الجندري ذاته، ولا توجد جريمة مستقلة باسم التشبه بالجنس الآخر، ومع ذلك، تظهر هذه العبارة في الخطاب الأمني والإعلامي كسند قانوني، بينما يعاد توجيه الاتهام رسميا اعتمادا على مواد قانونية أخرى، مثل اعتياد ممارسة الفجور، أو التحريض على الفسق، أو الفعل الفاضح، أو حتى الاعتداء على قيم الأسرة المصرية.

لذا لا تنظر الورقة إلى النصوص القانونية بمعزل عن استخدامها العملي، فالمشكلة ليست فقط في وجود نصوص فضفاضة، بل في الطريقة التي تسحب بها هذه النصوص إلى وقائع لا تنطبق عليها أركانها. حين يصبح المظهر دليلا، وحين تتحول الهوية إلى شبهة، وحين تفترض جهة الضبط القصد الجنائي من طريقة اللباس أو الحركة أو الكلام، يكون الخلل في التكييف القانوني نفسه، لا في تفصيل إجرائي صغير.

تتعامل الورقة أيضا مع جانب لا يقل أهمية وهو المسار الطبي والإداري المغلق أمام العابرين والعابرات جندريا، فالشخص الذي لا يستطيع تعديل أوراقه، ولا يستطيع الحصول على تقرير طبي، ولا يجد لجنة تنعقد أو تبت في طلبه خلال مسار واضح، يظل مكشوفا أمام الاشتباه. ثم تستخدم الدولة ومؤسساتها نتيجة هذا الانسداد ضده حيث توجه إليه سؤال هو بمثابة اتهام عن عدم تطابق الأوراق مع المظهر، أو عن عدم امتلاك تقرير بينما هذا المسار نفسه غير متاح أو غير فعال.

بهذا المعنى، لا تتناول الورقة مسألتين منفصلتين، بل وجها واحدا لمنظومة واحدة: غياب الاعتراف القانوني والطبي يخلق الهشاشة، والملاحقة الجنائية تستغل هذه الهشاشة.

من أين يبدأ الاشتباه؟

لا يوجد في القانون الجنائي حالة تُسمى “الاشتباه” تبيح تقييد الحرية، إلا في حالات محددة جداً تتعلق بالمتشردين والمشتبه فيهم جنائياً وفقاً لقوانين خاصة (1). فالاشتباه هو مجرد شعور داخلي لدى القائمين على إنفاذ القانون -مأموري الضبط القضائي (رجل الشرطة) – بعدم الارتياح تجاه شخص معين، لوجود علامات تستدعي هذا الظن أو الشبهة، مثل وجود دلالات الريبة أو الارتباك، وهو فعل إيجابي قائم على تصرفات أو تحركات أو مظاهر غير معتادة من الشخص نفسه المشتبه به، تستدعي هذا الظن. ولا يبيح الاشتباه القبض أو التفتيش، وإنما يمنح القائمين على إنفاذ القانون مجرد الاستيقاف، وهو إجراء وقائي لا يتجاوز توقيف الشخص المشتبه به وسؤاله عن هويته وإثبات شخصيته. وإذا أبرز الشخص المشتبه به بطاقة هويته، زالت حالة الاشتباه، ولزم تركه فوراً. وإذا لم يكن يحمل هوية، أو امتنع عن إبرازها، يحق للشرطة التحفظ عليه للتأكد من شخصيته.

أما القبض، فإنه وفقاً لنص المادة 34 من قانون الإجراءات الجنائية -القديم الساري الآن- لا يجوز إلا في حالة التلبس بجريمة تشكل جناية أو جنحة معاقب عليها بمدة تزيد على ثلاثة أشهر، والتلبس هو مشاهدة الجريمة أو اكتشاف آثارها ودلائلها بوضوح وقت ارتكابها أو بعد ارتكابها ببرهة قصيرة، ويبيح للقائمين على إنفاذ القانون (مأمور الضبط) تبعاً للقبض على الشخص تفتيشه.

ورغم أن المادة 40 من قانون الإجراءات الجنائية تضع حقاً بضرورة معاملة من يُقبض عليه بما يحفظ كرامته، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً، وأيضاً المادة 46 من ذات القانون تستلزم، في الأحوال التي يجوز فيها القبض قانوناً على المتهم وتفتيشه، إذا كان أنثى، وجب أن يكون التفتيش بمعرفة أنثى، إلا أنه وفقاً للتطبيق العملي يهدر القائمون على إنفاذ القانون هذه الحقوق، نظراً لغياب التنظيم والاعتراف القانوني للعابرين/ات، فيتم تفتيش العابرات بواسطة الرجال، وكذلك احتجازهن مع الرجال في أماكن احتجاز الرجال.

في القضايا التي تتعلق بالعابرين والعابرات جندرياً، يبدأ الاشتباه غالباً قبل أي فعل. يبدأ من نظرة مأمور الضبط إلى الجسد وتقديره لتوافق المظهر مع خانة النوع في بطاقته، بما فيها ملابسه، وحتى صوته أو حركته أو طريقة تقديمه لنفسه، ومدى نمطيتها المتوقعة في طريقة أقرب لكشف الهيئة.

وجميعها تقديرات غير قانونية، ومع ذلك تتحول في الممارسة إلى مدخل لإجراءات قانونية، منها استيقاف، ثم سؤال عن البطاقة، وتفتيش الهاتف، واقتياد إلى القسم، وتحرير محضر، ثم تكييف جنائي. هنا تحديداً تبدأ المشكلة. فالقانون الجنائي لا يفترض أن يحاسب الأشخاص على مدى امتثالهم لتوقعات اجتماعية عن الذكورة والأنوثة، ولا يفترض أن يجعل المظهر وحده أساساً للاشتباه.

الاستيقاف، في أبسط معانيه، يجب أن يقوم على مبرر موضوعي مرتبط بجريمة أو بواقعة محددة. أما أن يكون المظهر غير النمطي، في ذاته، سبباً كافياً للتدخل الأمني، فهذا يفتح الباب أمام استهداف فئة بعينها، لا بسبب أفعالها، بل بسبب وجودها في المجال العام. وبذلك يصبح الشارع، بالنسبة للعابرين والعابرات جندرياً، مساحة مراقبة دائمة، لا مساحة عامة متاحة للجميع.

في قضية عابدين الأخيرة، تظهر أهمية هذا السؤال بوضوح: إذا كانت البداية هي المرور في الطريق العام، فما الفعل المادي المحدد الذي أسس الاتهام، وذلك حين يمكن أن يتحول المظهر، دون قول أو إشارة أو سلوك موجه للغير، إلى دليل على اعتياد الفجور؟ هذه الأسئلة ليست دفاعاً عن حالة واحدة فقط، بل هي أسئلة تتكرر في كل قضية تبدأ من الاشتباه في الهوية أو التعبير الجندري.

النوع الاجتماعي غير المتكافئ في صناعة الاشتباه

الانحياز الجندري والاشتباه

لا يتوزع الاشتباه الواقع على العابرين والعابرات جندرياً بصورة متساوية دائماً. فالممارسة الاجتماعية والأمنية تكشف، في كثير من الحالات، عن حساسية أشد تجاه العبور باتجاه الأنوثة أو التعبير الأنثوي، مقارنة بالعبور باتجاه الذكورة أو التعبير الذكوري -الانحياز الجندري-. ولا يعني ذلك أن العابرين الرجال لا يواجهون عنفاً أو إنكاراً أو حرماناً من الاعتراف والرعاية، بل يعني أن شكل الخطر يختلف.

في السياق الاجتماعي السائد، قد يُقرأ التعبير الذكوري لدى من سُجلوا عند الميلاد كإناث بوصفه استرجالاً أو خروجاً عن الأدوار التقليدية، وهو أمر قد يؤدي إلى عنف أسري أو طبي أو إداري، لكنه لا يستدعي دائماً، بالدرجة نفسها، الربط الفوري بالدعارة أو الاشتباه الجنائي في المجال العام.

في المقابل، غالباً ما يُقرأ التعبير الأنثوي لدى من سُجلوا عند الميلاد كذكور بوصفه تهديداً مباشراً للنظام الأخلاقي والجندري، ويُعاد ربطه سريعاً بتصورات عن الجنس التجاري، والفجور، وخدش الحياء، والتشبه.

هذا التفاوت يكشف أن المشكلة لا تتعلق بالهوية الجندرية وحدها، بل أيضاً بالبنية الاجتماعية التي تعاقب الأنوثة حين تظهر في جسد لا تعترف له بها الأوراق الرسمية. فالعابرة جندرياً لا تواجه فقط رفض الاعتراف بهويتها، بل تواجه أيضاً وصماً مضاعفاً لأن تعبيرها الأنثوي يجري تأويله كدلالة جنسية أو كدعوة للفجور، ومن هنا يصبح المظهر الأنثوي نفسه، في نظر جهة الضبط أو المجتمع، شبهة قائمة بذاتها.

وتظهر خطورة هذا التفاوت داخل أماكن الاحتجاز، فالعابرات جندرياً، حين يودعن في أماكن احتجاز الرجال اعتماداً على الأوراق الرسمية، يتعرضن لمخاطر مضاعفة من العنف والتحرش والإذلال. أما إذا وضعن في حبس انفرادي بدعوى الحماية، فقد يتحول هذا الإجراء إلى عزلة قاسية ذات أثر نفسي شديد، وفي الحالتين، تصبح الدولة مسؤولة عن نتيجة تجاهلها للفارق بين الحماية الحقيقية والعقاب المقنع باسم الحماية.

لذلك، يجب أن يظل التحليل القانوني منتبهاً إلى البعد الجندري داخل الاستهداف نفسه، فليست كل الهويات غير النمطية تتعرض للخطر بالطريقة ذاتها، وليست كل أشكال العبور تُقرأ اجتماعياً وأمنياً بالحدة نفسها. وهذا لا يبرر التمييز بين الضحايا، بل يساعد على فهم لماذا تظهر اتهامات الفجور والآداب بكثافة خاصة في قضايا العابرات جندرياً، ولماذا يكون خطر الاحتجاز مع الرجال أو الوصم الجنسي أكثر حضوراً في هذه الحالات.

وهم جريمة التشبه بالجنس الآخر

تتردد عبارة التشبه بالجنس الآخر في الاعلام وبعض محاضر الضبط والخطاب الاجتماعي، لكنها لا تمثل جريمة مستقلة في القانون المصري، فلا يوجد نص في قانون العقوبات او في قانون آخر يقرر عقوبة على ارتداء ملابس مرتبطة اجتماعيا بنوع معين، او الظهور بمظهر جندري غير نمطي، او التعبير عن هوية جندرية لا تتطابق مع الاوراق الرسمية.

ولا تعد هذه المسألة مجرد خلاف حول المصطلحات أو الأوصاف المتداولة، بل ترتبط مباشرة بمبدأ الشرعية الجنائية الذي يقوم عليه القانون الجنائي الحديث ويكفله الدستور المصري، ومؤداه أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني. فغياب نص يجرم العبور الجندري أو ما يسمى بـ”التشبه بالجنس الآخر” يفترض، من حيث الأصل، امتناع العقاب على هذا الأساس. فلا يكفي الاستهجان الاجتماعي، ولا الوصف الأخلاقي، ولا الخطاب الإعلامي السائد لإنشاء جريمة لم ينص عليها القانون.

غير أن الممارسة العملية تكشف عن مسار أكثر تعقيدًا. فبدلًا من توجيه اتهامات قائمة على أفعال مجرمة بنصوص محددة، يجري أحيانًا توظيف أوصاف ومعايير أخلاقية بوصفها مدخلًا للاشتباه أو الملاحقة. وقد ظهر ذلك في بعض القضايا التي اعتبرت فيها النيابة العامة أن “التشبه” يمثل صورة من صور الخروج عن “الفطرة السليمة” أو مظهرًا من مظاهر الاعتداء على قيم الأسرة المصرية، استنادًا إلى نصوص فضفاضة وغير محددة على نحو كاف في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات. وبهذا المعنى لا تقتصر النيابة على تكييف الوقائع محل التحقيق، بل تنخرط عمليًا في إنتاج معيار معياري ذي طبيعة تشريعية، رغم أن تحديد الأفعال المجرّمة يظل اختصاصًا أصيلًا للمشرّع لا لسلطات التحقيق.

وعادة لا تظهر هذه المقاربة في صورة اتهام مستقل باسم “التشبه بالجنس الآخر”، لعدم وجود مثل هذا النص أصلًا، وإنما تؤدي وظيفة تمهيدية تبرر الاشتباه أو التدخل الأمني، قبل إعادة تكييف الوقائع تحت اتهامات أخرى مثل التحريض على الفسق أو اعتياد ممارسة الفجور أو الفعل الفاضح أو الاعتداء على قيم الأسرة. وهكذا تؤدي أوصاف غير منصوص عليها قانونًا دورًا حاسمًا في تحريك الإجراءات الجنائية، بما يسمح بتوسيع نطاق التجريم ليشمل أوضاعًا وسلوكيات لم يجرّمها المشرع صراحة، كما سبق وأن ذكرنا في النص.

وهذا الالتفاف يطرح سؤالا جوهريا يدور حول اذا كان القانون لا يجرم المظهر او التعبير الجندري، فكيف يصبحان اساسا لاثبات جرائم اخرى؟ إذ لا يجوز ان يستخدم وصف غير مجرم كقرينة تلقائية على جريمة قائمة، ولا يجوز ان تتحول الهوية الى دليل، ثم يبحث لها المحضر لاحقا عن مادة قانونية تناسبها.

نصوص الآداب والفجور لملء الفراغ

تظهر نصوص الآداب والفجور في القانون رقم 10 لسنة 1961 في كثير من هذه القضايا كأنها النص الجاهز لملء الفراغ، إذ لا يوجد تجريم مباشر للهوية الجندرية، فتسحب الواقعة إلى منطقة الفجور والتحريض. لكن هذه النقلة ليست تفصيلاً فنياً؛ فهي جوهر الخلل في التكييف القانوني.

صدرت قوانين “الآداب والفجور” في سياق يتعلق بمكافحة الاستغلال الجنسي التجاري، حيث لم يوضع القانون لتنظيم الهوية الجندرية، ولا لمحاسبة الأشخاص على مظهرهم أو طريقة تعبيرهم عن ذواتهم. لذلك، حين يستخدم ضد شخص عابر أو عابرة جندرياً بسبب اللباس أو المرور في الشارع أو الصور الشخصية، يصبح السؤال الأول: أين الفعل الذي قصده القانون؟

المادة الأولى من القانون تتحدث عن التحريض أو المساعدة أو التسهيل، وهذه أفعال تفترض نشاطاً إيجابياً موجهاً إلى الغير، فالتحريض لا يستنتج من مجرد الوجود، والمساعدة لا تثبت من المظهر، والتسهيل لا يقوم على طريقة اللباس.

أما اتهام اعتياد ممارسة الفجور، فهو أكثر احتياجاً إلى التدقيق. فالاعتياد، بطبيعته، لا يثبت بواقعة عابرة أو بانطباع عام أو بتحريات مرسلة، إذ يفترض الاعتياد تكراراً يمكن إثباته بوقائع محددة ومستقلة، وحين تغيب هذه الوقائع، لا يكفي أن تقول التحريات إن الشخص معتاد، فالتحريات قد تصلح، في أحسن الأحوال، لفتح باب البحث، لكنها لا تكفي وحدها لبناء إدانة في جريمة تقوم على فعل متكرر وقصد جنائي.

في قضايا العابرين والعابرات جندرياً، يختلط هذا كله بالمظهر، إذ قد يفترض مأمور الضبط أن الشخص، لأنه عابر أو لأن مظهره غير نمطي، يمارس الفجور أو يدعو إليه، لكن القانون الجنائي لا يعرف هذا النوع من الافتراضات، حيث لا يعاقب الناس على ما يتخيله الغير عنهم، ولا على الصورة النمطية التي تلصق بهم، بل يجب أن يعاقب على أفعال محددة، بثبوت أركانها.

المادة 269 مكررا ومشكلة تحويل الوجود الى تحريض

تنص المادة 269 مكرراً من قانون العقوبات على معاقبة من يوجد في طريق عام أو مكان مطروق ويحرض المارة على الفسق بإشارات أو أقوال بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر. وظاهر النص نفسه يضع شرطاً مهماً، وهو وجود تحريض، وأن يكون هذا التحريض موثقاً عبر إشارات أو أقوال.

المشكلة تبدأ حين يمد النص إلى ما لا يقوله، فالوجود في الطريق العام ليس جريمة، والعبور الجندري ليس إشارة إلى الفسق، واللباس غير النمطي لا يعني، بذاته، توجيه دعوة للمارة. إذا غاب القول أو الإشارة أو السلوك الموجه إلى الغير، فلا يبقى من النص إلا مجرد الوجود، ومجرد الوجود لا يعاقب عليه القانون.

تطبيق هذه المادة على العابرين والعابرات جندرياً يكشف عن خلط متكرر بين التعبير الجندري والتحريض الجنسي، فالشخص لا يقول شيئاً ولا يوجه إشارة محددة، لكن مظهره يقرأ بوصفه رسالة. وهذه قراءة اجتماعية منحازة، لا واقعة قانونية. القانون لا يجب أن يحاكم الشخص على التأويل الذي يضعه مأمور الضبط أو المار في الشارع على مظهره.

ولهذا، فإن أي اتهام يستند إلى هذه المادة يجب أن يجيب بوضوح عن أسئلة محددة في التالي:

ما القول المنسوب إلى المتهم؟ ما الإشارة؟ لمن وجهت؟ متى؟ أين؟ كيف ثبتت؟ هل توجد شهادة مستقلة؟ هل توجد واقعة تلبس حقيقية؟ أم أن الأمر كله بدأ وانتهى عند شكل الشخص؟

هذه الأسئلة ضرورية لأنها تعيد النص إلى حدوده. فالمادة لا تعاقب على الاختلاف في المظهر، ولا تمنح الشرطة سلطة تقييم الجندر في الشارع، ولا تجعل من الطريق العام مساحة مشروطة بالامتثال لقوالب اجتماعية محددة.

المادة 25 من قانون الجرائم الالكترونية والظهور الرقمي كدليل

أضاف قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، خاصة المادة 25 منه، مساحة جديدة للملاحقة، فعبارة “الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري” واسعة ومرنة إلى حد يسمح بتطبيقها على سلوكيات شديدة الاختلاف. وفي قضايا العابرين والعابرات جندرياً، قد يصبح الظهور الرقمي نفسه محل اتهام، مثل صورة شخصية، أو مقطع قصير، أو اسم مستخدم، أو طريقة كلام، أو تعريف ذاتي.

هنا لا تكون المشكلة فقط في غموض النص، بل في تحويل الحياة اليومية إلى دليل. فما ينشره الشخص عن نفسه، وما يقوله عن هويته، وما يضعه على حسابه، قد يعاد تأويله باعتباره خروجاً على القيم أو دعوة للفجور. ومع غياب تعريف قانوني منضبط لماهية قيم الأسرة، يصبح النص قابلاً للاستخدام ضد كل ما تعتبره جهة الضبط مخالفاً للتصور السائد عن الأخلاق أو النوع أو الجسد.

وتوضح إحدى القضايا التي باشرتها المفوضية خطورة هذا المسار، فقد جرى التعامل مع ظهور صانعة محتوى عابرة جندرياً على تيك توك لا باعتباره ممارسة لحقها في التعبير أو وجوداً رقمياً عادياً، بل باعتباره مادة للاشتباه والاتهام والوصم. ومع انتشار محتواها أو تداوله خارج سياقه، انتقلت الواقعة من مساحة التعبير الشخصي إلى مساحة المحاكمة الاجتماعية، ثم إلى المسار الجنائي.

في مثل هذه الحالات، لا يصبح الخطر في النص القانوني وحده، بل في تفاعل النص مع حملات الوصم. فالمحتوى الرقمي قد يستخدم أولاً لإثارة الاستهجان والتحريض ضد الشخص، ثم يعاد تقديمه داخل محضر الضبط أو التحقيق باعتباره دليلاً على الفجور أو الاعتداء على القيم. وبهذا تتحول المنصة الرقمية من مساحة ظهور إلى مصدر خطر، خاصة حين يكون الشخص عابراً أو عابرة جندرياً ولا يملك حماية قانونية أو إدارية كافية من التشهير أو الابتزاز أو إساءة استخدام بياناته وصوره.

وتتضاعف الخطورة حين يرتبط ذلك بتفتيش الهواتف والحسابات الشخصية. الهاتف، في هذه القضايا، لا يعامل كجهاز اتصال فقط، بل كأرشيف كامل للحياة الخاصة. وقد تتحول الصور والمحادثات والعلاقات والبيانات الشخصية إلى مادة للاتهام، أحياناً دون إذن قضائي واضح، ودون ضمانات كافية لسلامة الدليل أو سياقه.

أي دليل رقمي في هذه القضايا يجب أن يخضع لأسئلة صارمة: كيف حصلت جهة الضبط على الهاتف؟ هل وافق الشخص بحرية على فتحه؟ هل كان محتجزاً أو تحت ضغط؟ هل وجد إذن بالتفتيش؟ هل حفظت البيانات بطريقة تمنع العبث بها؟ هل قدمت المحادثات كاملة أم اقتطعت منها أجزاء؟ هذه الأسئلة ليست شكلية. إنها تتعلق بالخصوصية وبسلامة الدليل وبحق الدفاع.

الفعل الفاضح العلني وحدود الحياء العام

المادة 278 من قانون العقوبات تعاقب على الفعل الفاضح العلني المخل بالحياء. وهذا النص، مهما كانت الإشكاليات المرتبطة به، يفترض وجود فعل مادي محدد يقع في العلن. لا يكفي أن يكون الشخص مختلفاً في مظهره، أو أن يبدو لجهة الضبط غير متوافق مع خانة النوع في أوراقه، حتى يتحول وجوده إلى فعل فاضح.

الفعل الفاضح ليس وصفاً للشخص، بل وصف لسلوك. وإذا غاب السلوك المحدد، يتحول النص إلى أداة لمعاقبة المظهر. وهذا تحديداً ما يجب الانتباه إليه في قضايا العابرين والعابرات جندرياً في ظل غياب فعل مستقل عن الهوية، أو وجود واقعة علنية محددة، أو حتى أن الاتهام يقوم على مجرد أن الشخص ظهر في المجال العام بصورة لا تقبلها جهة الضبط.

الحياء العام، كفكرة قانونية، لا يجوز أن يستخدم لمعاقبة الأشخاص على وجودهم، ولا يجوز أن يكون معيار الحياء هو مدى تطابق الشخص مع التصورات التقليدية عن النوع. وإلا صار القانون أداة لتأديب الأجساد، لا لمواجهة أفعال محددة، مع التحفظ على كونه اتهاماً شديد المطاطية.

الاستدراج الإلكتروني وخلق الواقعة

في عدد من القضايا المرتبطة بالآداب والفجور، وثقت منظمات حقوقية ومحامون نمطاً متكرراً من الاستدراج الإلكتروني عبر حسابات وهمية على تطبيقات التواصل أو المواعدة، بما في ذلك تطبيقات استُخدمت على نطاق واسع داخل مجتمعات الميم، مثل “Grindr”. وتبدأ الوقائع في كثير من الأحيان بتواصل من حساب مجهول أو غير حقيقي، يتطور إلى محادثة خاصة، ثم إلى ترتيب لقاء ينتهي بالقبض على الشخص أو إخضاعه للتحقيق. وتثير هذه الممارسات تساؤلات قانونية وحقوقية تتجاوز مجرد وسائل الضبط والتحري، إذ يصبح من الضروري التمييز بين رصد جريمة قائمة بالفعل وبين خلق سياق يؤدي إلى إنتاج الاشتباه أو استدراج شخص إلى سلوك يُستخدم لاحقاً أساساً للملاحقة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الطبيعة الفضفاضة لبعض الاتهامات المستخدمة في قضايا الآداب، حيث قد تتحول المحادثات الخاصة أو التعبير عن الهوية أو البحث عن علاقات اجتماعية إلى نقطة انطلاق لإجراءات جنائية واسعة النطاق. ولا يتعلق الأمر هنا بوسائل التواصل ذاتها، وإنما بالكيفية التي تستخدم بها أدوات التحري الإلكترونية وحدود مشروعيتها عندما تنتقل من جمع الأدلة على أفعال قائمة إلى المساهمة في خلق الظروف التي تُبنى عليها الاتهامات لاحقاً.

إذا كانت جهة الضبط قد بادرت بالتواصل، ودفعت المحادثة في اتجاه معين، ورتبت اللقاء، ثم استخدمت ما نتج عن ذلك كدليل، فنحن أمام إشكالية تتعلق بخلق الجريمة لا كشفها، لأن الاستدراج لا يستخدم فقط ضد أفعال مزعومة، بل ضد هوية موصومة سلفاً، فالشخص الذي يبحث عن تواصل آمن أو مساحة للتعبير عن نفسه قد يجد نفسه داخل كمين، ثم تقدم المحادثة باعتبارها دليلاً على الفجور أو التحريض.

من منظور دفاعي، يجب النظر في مصدر المحادثة، وسياقها، ومن بدأها، وما إذا كان هناك تحريض من جهة الضبط، وما إذا كان الشخص قد دفع إلى أقوال أو أفعال لم يكن ليبادر بها. كما يجب فحص سلامة الدليل الرقمي وطريقة حفظه وعرضه.

حلقة الاستحالة الطبية والنقابية والادارية “البيضة والفرخة”

لا يمكن فهم الملاحقة الجنائية للعابرين والعابرات جندرياً دون النظر إلى المسار الطبي والإداري المغلق أمامهم، فالدولة ومؤسسات المهنة الطبية تطلب، في لحظات كثيرة، مستنداً أو تقريراً أو موافقة، لكنها لا توفر طريقاً واضحاً وفعالاً للحصول عليه.

الشخص الذي يحاول تعديل أوراقه أو إثبات حالته الجندرية يصطدم غالباً بإشكالية “البيضة والفرخة”، حيث يطلب منه التقرير الطبي “المستحيل” الذي يتطلب موافقة اللجنة المختصة من نقابة الأطباء والأزهر، لكن الطبيب الذي يمكن أن يحرر التقرير يخشى المساءلة المهنية أو النقابية، واللجنة التي يفترض أن تفتح الباب لا تنعقد، أو لا تبت، أو تقصر نظرها على حالات الخنثى البيولوجية دون الاعتراف بحالات العبور الجندري كما تفهمها المعايير الطبية الحديثة.

هنا لا نكون أمام بطء إداري فقط، بل نحن أمام حلقة استحالة. الجهة الإدارية تطلب ما لا تسمح المؤسسة الطبية بإنتاجه، والمؤسسة الطبية تحيل الأمر إلى لجنة لا توفر مساراً واضحاً، كما أن اللجنة قد تطلب تقريراً لا يستطيع الطبيب تحريره، وفي النهاية، يبقى الشخص بلا تقرير وبلا موافقة وبلا تعديل في الأوراق، ومطالب بالحصول عليها جميعاً أمام الجهات الرسمية.

تزداد قسوة هذه الحلقة حين يكون الشخص قد حاول بالفعل سلوك المسار الرسمي. ففي عدد من الحالات التي باشرتها المفوضية، لم يكن غياب تعديل الأوراق نتيجة تجاهل أو امتناع من الشخص، بل جاء رغم محاولات سابقة للحصول على موافقة اللجنة المختصة وتغيير البيانات الرسمية، ومع ذلك، اصطدمت هذه المحاولات بالرفض أو التعطيل، ثم عاد استمرار عدم تطابق الأوراق مع الهوية والمظهر ليصبح جزءاً من الوصم والاشتباه.

هذه النقطة جوهرية. فحين يقال للشخص إن عليه أن يسلك الطريق الرسمي، ثم يكتشف أن الطريق الرسمي مغلق، لا يجوز بعد ذلك استخدام عدم وصوله إلى نهاية هذا الطريق ضده، حيث لا يجوز أن تطلب المؤسسة موافقة لا تمنحها، وتقريراً لا تسمح للأطباء بتحريره، ومساراً لا تحدد له مواعيد أو ضمانات، ثم تترك الشخص مكشوفاً أمام الشرطة والنيابة والمجتمع لأنه لم يحصل على أوراق تعترف به.

ثم تأتي المرحلة الأكثر قسوة، إذ يستخدم هذا الوضع ضد الشخص الذي يتم توقيفه في الشارع لأن مظهره لا يطابق أوراقه، ويسأل عن سبب هذا التناقض، ويشتبه فيه لأن بطاقته تقول شيئاً ومظهره يقول شيئاً آخر، أي إن الدولة تغلق طريق تعديل الوضع، ثم تتعامل مع استمرار الوضع غير المعدل كسبب للاشتباه.

من الناحية القانونية، لا يجوز تحميل الفرد تبعة استحالة صنعتها الجهة الإدارية أو النقابية أو المهنية. إذا كان تعديل الأوراق مشروطاً بمسار طبي، فيجب أن يكون هذا المسار متاحاً وواضحاً وآمناً. وإذا كان الطبيب ممنوعاً أو مهدداً أو متردداً بسبب قواعد نقابية، فلا يجوز أن يقال للشخص: لماذا لا تملك تقريراً طبياً؟ وإذا كانت اللجنة لا تنعقد أو لا تبت، فلا يجوز أن يبقى طالبو الاعتراف القانوني معلقين إلى أجل غير معلوم.

هذه الحلقة لا تؤثر في الأوراق فقط، فأثرها يمتد إلى الصحة والعمل والتعليم والسكن والتنقل والأمان الشخصي، فغياب المسار الطبي الآمن يدفع بعض الأشخاص إلى استخدام الهرمونات دون متابعة منتظمة، أو إلى اللجوء لسوق غير رسمية، أو إلى تجنب المستشفيات خوفاً من الوصم أو الإبلاغ. كذلك فإن غياب الاعتراف القانوني يجعل كل تعامل مع مؤسسة رسمية مناسبة محتملة للإهانة أو الاشتباه أو الحرمان من الخدمة.

لذلك، لا يجوز عزل ملف اللجنة والنقابة والرعاية الطبية عن ملف الملاحقة الجنائية، فهما جزءان من المشكلة نفسها، الأول يغلق الطريق أمام الاعتراف، والثاني يعاقب الشخص على بقائه بلا اعتراف.

ما بعد القبض: الاحتجاز والفحوص القسرية والرعاية الطبية

لا ينتهي الاستهداف عند لحظة القبض، ففي كثير من القضايا تبدأ مرحلة أخرى من الانتهاكات، كالإهانة اللفظية، والتهديد، والتفتيش المهين، والحرمان من التواصل مع محام أو أسرة، والضغط لفتح الهاتف والاطلاع على صور شخصية وإقحامها بالقضية، كما في حالة “التيك توكر”، أو إخضاع الشخص لفحوص طبية قسرية لا قيمة علمية لها.

تمثل الفحوص الشرجية أو التناسلية القسرية في قضايا الفجور والآداب إحدى أكثر الممارسات إثارة للجدل من منظور حقوقي، ورغم شيوع الاعتقاد بأن هذه الفحوص تستند إلى إلزام قانوني صريح، فإن التشريعات المنظمة لمكافحة الدعارة لا تتضمن نصاً يفرض إجراء الكشف الشرجي لإثبات ارتكاب أفعال الفجور. ويستند هذا الاعتقاد في بعض الأحيان إلى تفسير موسع للمادة التاسعة من قانون مكافحة الدعارة، التي تجيز إحالة بعض المتهمين إلى الكشف الطبي للتحقق من الإصابة بالأمراض التناسلية المعدية واتخاذ التدابير العلاجية اللازمة، إلا أن هذا النص لا ينص على إلزام بإجراء فحوص شرجية بغرض إثبات السلوك الجنسي أو التحقق منه.

وبذلك يظل اللجوء إلى هذه الفحوص جزءاً من الممارسات الإجرائية التي تتبناها جهات التحقيق في بعض القضايا، في إطار استعانتها بالطب الشرعي والخبراء الفنيين، وليس تنفيذاً لالتزام قانوني محدد يفرضه النص التشريعي ذاته. وقد تعرضت هذه الممارسة لانتقادات واسعة من جانب خبراء وهيئات حقوقية وطبية، نظراً لغياب القيمة العلمية الموثوقة لمثل هذه الفحوص في إثبات السلوك الجنسي، فضلاً عما تنطوي عليه من مساس بالسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية والخصوصية الشخصية. كما تثار شكوك جدية حول مدى حرية الموافقة عليها في ظل أوضاع الاحتجاز أو الخضوع لسلطة التحقيق، حيث يصعب افتراض وجود رضا حر ومستنير في ظروف تتسم بعدم التكافؤ والضغط النفسي والقانوني.

كما أن طريقة الاحتجاز نفسها قد تتحول إلى عقوبة إضافية، حتى قبل صدور أي حكم، فالعابرون والعابرات جندرياً يواجهون غالباً خيارين، كلاهما قاسٍ: أما الإيداع في أماكن احتجاز لا تراعي هويتهم الجندرية، بما قد يعني احتجاز العابرات مع الرجال وتعريضهن لخطر العنف والتحرش والإذلال، أو عزلهم في حبس انفرادي بدعوى الحماية.

والحبس الانفرادي، حتى حين يقدم باعتباره إجراءً وقائياً، لا يكون بالضرورة حماية، فقد يعني العزلة الكاملة، والحرمان من التواصل، وزيادة القلق والخوف، وصعوبة الوصول إلى الدعم القانوني أو النفسي أو الطبي. أما الإيداع مع الرجال، خصوصاً بالنسبة للعابرات جندرياً، فقد يحمل مخاطر مباشرة على السلامة الجسدية والنفسية، ويجعل الاحتجاز نفسه مساحة تهديد مستمر.

ولا تقتصر آثار القبض والاحتجاز على الجانب النفسي، فهذه القضايا تخلف تكلفة مادية واجتماعية كبيرة، منها أتعاب قانونية، وانتقالات، وفقدان مصدر الدخل، والتوقف عن العمل أو صناعة المحتوى، وخسارة السكن أو الدعم الأسري، وتكاليف علاج أو متابعة نفسية لاحقة. وفي حالات صانعات المحتوى، قد يؤدي القبض والوصم إلى تدمير مصدر الرزق نفسه، لأن المنصة التي كانت مساحة عمل تتحول إلى مصدر تشهير وملاحقة، أو حتى تعريض الحياة للخطر.

لذلك، لا يجب تقييم الضرر من زاوية مدة الاحتجاز فقط. فقد يخلى سبيل الشخص بعد أيام أو أسابيع، لكن الضرر يكون قد وقع بالفعل، مثل الوصمة الرقمية، وفقدان الدخل، والخوف من الظهور، والاضطراب النفسي، وتراجع القدرة على استكمال مسار قانوني أو طبي كان متعثراً أصلاً.

كما يطرح الحرمان من الرعاية الطبية، بما في ذلك العلاج الهرموني لمن يحتاجه طبياً، مسألة جدية. فالرعاية الصحية لا تسقط بالاحتجاز، والشخص المحتجز يظل له حق في العلاج والمتابعة وعدم تعريض صحته للخطر، وحين يحرم شخص عابر أو عابرة من علاج مستمر أو من متابعة ضرورية، يصبح الاحتجاز نفسه مصدراً لضرر صحي إضافي.

هذه الانتهاكات لا يجب أن تترك خارج التحليل القانوني. حتى إذا انتهت القضية بالبراءة أو إخلاء السبيل، تكون أضرار القبض والاحتجاز قد وقعت بالفعل. لذلك، لا بد من التعامل مع الحماية داخل أماكن الاحتجاز كجزء أساسي من أي إصلاح.

أين يقف الدستور المصري؟

الدستور المصري يوفر، على الأقل من حيث النص، عدداً من المداخل المهمة لمساءلة هذا النمط من الملاحقة.

المادة 95 تقرر أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، وهذا يعني أن أي تجريم يجب أن يكون منصوصاً عليه بوضوح، لا مستنتجاً من انطباعات أو أوصاف أخلاقية أو اجتماعية. وبناء على ذلك، لا يجوز التعامل مع التشبه بالجنس الآخر كجريمة غير مكتوبة، ولا يجوز استخدام المظهر كبديل عن الفعل المادي.

المادة 55 تحظر تعذيب المحتجز أو ترهيبه أو إكراهه أو إيذاءه بدنياً أو معنوياً، وتؤكد وجوب معاملة كل من تقيد حريته بما يحفظ كرامته. وهذا النص ينطبق على كل محتجز ومحتجزة، دون استثناء أو تمييز، ويشمل الحماية من الفحوص القسرية والإهانة والعنف والحرمان من الرعاية الطبية الضرورية.

المادة 57 تحمي حرمة الحياة الخاصة. وهذا يفتح باباً مهماً لمناقشة تفتيش الهواتف والحسابات الشخصية في قضايا الآداب والفجور، خاصة حين يتم ذلك دون إذن واضح أو تحت ضغط الاحتجاز.

المادة 93 تلزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها مصر. وبذلك لا تبقى التزامات مصر الدولية في مجال مناهضة التعذيب، وحظر الاحتجاز التعسفي، وحماية الخصوصية، وعدم التمييز، مجرد التزامات خارجية، بل تصبح جزءاً من الإطار القانوني الواجب الاعتداد به.

هذه النصوص لا تحل المشكلة وحدها، لكنها تمنح الدفاع والمناصرة مداخل واضحة: لا تجريم بلا نص، لا إجراء بلا سند، لا تفتيش بلا ضمانات، لا احتجاز بلا حماية، ولا معاملة مهينة تحت أي مبرر أخلاقي أو اجتماعي.

الالتزامات الدولية والمعايير الطبية الحديثة

تعد مصر طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وفي اتفاقية مناهضة التعذيب، وهما الاتفاقيتان اللتان تضعان حدوداً واضحة أمام القبض التعسفي، وسوء المعاملة، والتفتيش غير المنضبط، والتمييز في تطبيق القانون.

القبض على شخص بسبب مظهره أو تعبيره الجندري، دون فعل مادي محدد، يثير شبهة الاحتجاز التعسفي. وتفتيش هاتفه أو حساباته الخاصة دون ضمانات جدية يثير مسألة انتهاك الخصوصية. كذلك، فإن إخضاعه لفحص جسدي قسري أو إيداعه في مكان احتجاز يعرضه لخطر معروف يثير مسؤولية الدولة عن الحماية من المعاملة القاسية أو المهينة.

أما من الناحية الطبية، فقد نقل التصنيف الدولي للأمراض، في نسخته الحادية عشرة، عدم التوافق الجندري من باب الاضطرابات النفسية إلى باب حالات الصحة الجنسية، وهو تحول مهم لأنه يسحب الأرضية من التعامل مع العبور الجندري باعتباره اضطراباً نفسياً أو انحرافاً أخلاقياً. فالمسألة، وفق هذا التصنيف، تتعلق بحاجة صحية قد تستدعي رعاية متخصصة، لا عقاباً ولا وصماً.

وهنا وجب التنويه إلى أن كل ما سبق لا يعني أن كل شخص عابر يحتاج المسار الطبي نفسه، ولا أن الاعتراف القانوني يجب أن يكون مشروطاً دائماً بتدخل طبي، لكنه يعني أن حرمان الأشخاص من الرعاية المؤكدة للنوع، أو قصرها على حالات الخنثى البيولوجية فقط، لا ينسجم مع المعايير الطبية الحديثة، كما يعني أن وجود لجنة طبية أو نقابية يجب أن يكون هدفه تسهيل الوصول إلى الرعاية والاعتراف، لا إغلاق الباب.

وتبقى مبادئ يوجياكارتا ويوجياكارتا +10 مرجعاً تفسيرياً مهماً في هذا الملف، حتى إذا لم تكن معاهدة ملزمة بذاتها، فهي تساعد في قراءة الحقوق القائمة، مثل الخصوصية، والاعتراف القانوني، والحرية من الاحتجاز التعسفي، وعدم التمييز، في ضوء واقع الأشخاص ذوي الهويات الجندرية المتنوعة.

ماذا تكشف قضية عابدين تحديدا؟

قضية جنح عابدين رقم 3345 لسنة 2026 تكشف، في حدود ما طرحه الدفاع وما ظهر من مناسبة القبض، عن أسئلة قانونية تتجاوز ملفاً واحداً.

السؤال الأول: ما سند الاستيقاف؟ إذا كان القبض قد بدأ من المرور في الطريق العام، فما المبرر الموضوعي الذي حول هذا المرور إلى اشتباه؟ وهل كان هناك فعل مستقل، أم أن المظهر كان نقطة البداية؟

السؤال الثاني: أين الفعل المادي؟ اتهام اعتياد ممارسة الفجور لا يقوم على الانطباع، ولا على المظهر، ولا على الهوية. يحتاج إلى وقائع محددة يمكن مناقشتها وإثباتها أو نفيها. فهل توجد هذه الوقائع؟ أم أن الاتهام بني على استنتاجات عامة؟

السؤال الثالث: أين الاعتياد؟ الاعتياد ليس كلمة تضاف إلى وصف الاتهام. هو عنصر يحتاج إلى إثبات. لا يكفي أن تقول جهة الضبط إن الشخص معتاد، ولا يكفي أن تستند إلى تحريات مرسلة، بل يجب بيان الوقائع المتكررة التي تشكل هذا الاعتياد.

السؤال الرابع: هل استخدم التناقض بين المظهر والأوراق كقرينة؟ إذا كان الأمر كذلك، فنحن أمام جوهر المشكلة، لأن هذا التناقض ليس دليلاً على جريمة، بل نتيجة مباشرة لغياب مسار قانوني وطبي فعال لتعديل الأوراق والاعتراف بالهوية.

السؤال الخامس: هل عوملت المتهمة خلال القبض والتحقيق بما يحفظ كرامتها وسلامتها؟ هذا السؤال لا يتعلق فقط بالنتيجة النهائية للقضية، بل بمشروعية الإجراءات كلها وبمسؤولية الدولة عن حماية المحتجزين والمحتجزات.

هذه الأسئلة لا تصادر على القضاء، بالعكس، هي تعيد النقاش إلى مكانه الصحيح، حيث لا يكفي أن تكون الهوية محل استهجان اجتماعي حتى تصبح جريمة، ولا يكفي أن يكون الشخص عابراً أو عابرة جندرياً حتى يفترض فيه القصد الجنائي. ولا يكفي أن توجد تحريات أو عبارات عامة حتى تقوم أركان الاتهام.

أوجه الخلل في التكييف القانوني

يمكن تلخيص الخلل في التكييف القانوني لهذه القضايا في عدة نقاط مترابطة، أولها غياب النص المباشر، فالقانون المصري لا يجرم العبور الجندري ولا التشبه بالجنس الآخر كنص مستقل. لذلك فإن أي ملاحقة تبدأ من هذا الوصف تحتاج إلى تدقيق شديد في ماهية الجريمة الحقيقية المنسوبة، وأركانها، والدليل عليها.

ثانيها تحويل المظهر إلى فعل، ففي القانون الجنائي، لا يكفي أن يبدو الشخص بطريقة معينة. لا بد من فعل مادي محدد، وحين يحل المظهر محل الفعل، تصبح المحاسبة على الهوية لا على السلوك.

ثالثها افتراض القصد الجنائي من الهوية. التعبير الجندري لا يعني نية التحريض على الفسق، ولا نية ممارسة الفجور، ولا نية الاعتداء على الآداب. القصد الجنائي يجب أن يثبت من وقائع، لا من تصورات مسبقة عن فئة اجتماعية.

رابعها الاعتماد على تحريات أو أدلة رقمية غير كافية، حيث إن كثيراً من القضايا تقوم على تحريات عامة، أو محادثات مقتطعة، أو تفتيش هاتف محل شك. وهذا يضع عبئاً كبيراً على الدفاع لفحص مصدر الدليل وسياقه ومشروعية الحصول عليه.

خامسها استخدام الانسداد الإداري كدليل ضد الضحية. حين لا يستطيع الشخص تعديل أوراقه بسبب تعطل اللجنة أو خوف الأطباء أو القيود النقابية، لا يجوز أن يتحول عدم التعديل إلى سبب للاشتباه. هذا قلب للمسؤولية، فالمؤسسة تغلق الطريق، ثم تلوم الشخص لأنه لم يسلكه.

سادسها التمييز في التطبيق، إذ إن النصوص الفضفاضة لا تطبق على الجميع بالدرجة نفسها، بل غالباً ما تستهدف الأشخاص الأكثر هشاشة ووصماً، وهذا يجعل المسألة ليست فقط مشكلة نصوص، بل مشكلة انتقائية في الإنفاذ.

وسابعها تجاهل الأثر المادي والنفسي للإجراءات. فالقبض، حتى لو انتهى بإخلاء سبيل، قد يدمر مصدر دخل الشخص، ويعرضه للوصم، ويقطع علاقاته، ويدفعه إلى العزلة، ويزيد هشاشته أمام الأسرة والمجتمع والعمل والسكن. لذلك لا يجوز التعامل مع إخلاء السبيل باعتباره نهاية الضرر.

توصيات عاجلة

للنيابة العامة وجهات التحقيق

ينبغي إصدار تعليمات واضحة بعدم اعتبار المظهر أو التعبير الجندري أو عدم تطابق الأوراق مع الهيئة الخارجية سبباً كافياً للاستيقاف أو القبض أو التفتيش.

يجب إلزام جهات الضبط ببيان الفعل المادي المحدد في كل محضر، وعدم الاكتفاء بعبارات عامة مثل “التشبه” أو “المظهر غير الطبيعي” أو “الاشتباه في الفجور”.

ينبغي استبعاد أي دليل ناتج عن تفتيش هاتف أو حساب شخصي دون إذن قضائي أو دون ضمانات كافية، خاصة إذا تم فتح الهاتف تحت ضغط الاحتجاز.

يجب حظر الفحوص الشرجية أو التناسلية القسرية في قضايا الآداب والفجور، واعتبارها ممارسة مهينة لا تصلح دليلاً، ولا يجوز الأمر بها.

للقضاء

ينبغي التشدد في فحص أركان الجرائم المنسوبة في هذه القضايا، خصوصاً الركن المادي والقصد الجنائي وعنصر الاعتياد.

يجب عدم قبول المظهر أو الهوية الجندرية كقرينة على الفجور أو التحريض أو الفعل الفاضح.

ينبغي فحص مشروعية الاستيقاف والتفتيش والقبض قبل الدخول في موضوع الاتهام، خاصة حين تبدأ الواقعة من الطريق العام أو من تفتيش هاتف.

ينبغي التعامل مع الامتناع الإداري أو تعطل المسار الطبي كعامل يفسر عدم تطابق الأوراق، لا كقرينة ضد الشخص.

لوزارة الداخلية وإدارة أماكن الاحتجاز

يجب وضع بروتوكولات واضحة للتعامل مع العابرين والعابرات جندرياً داخل أماكن الاحتجاز، تراعي مخاطر العنف والاعتداء والوصم.

ينبغي حظر إيداع العابرات جندرياً في أماكن تعرضهن لخطر العنف، مع إجراء تقييم فردي للسلامة والاحتياجات الخاصة بكل حالة.

كذلك عدم استخدام الحبس الانفرادي كبديل تلقائي عن الحماية، إلا في أضيق الحدود، ولمدة محددة، وتحت رقابة، وبما لا يحرم المحتجز أو المحتجزة من التواصل والدعم القانوني والطبي.

يجب ضمان الحق في التواصل مع محامٍ وأسرة، ومنع الإهانة اللفظية أو التفتيش المهين أو الضغط لفتح الهواتف.

ينبغي ضمان استمرار الرعاية الطبية الضرورية داخل الاحتجاز، بما في ذلك العلاج الهرموني لمن يحتاجه طبياً.

لنقابة الأطباء والجهات الصحية

ينبغي مراجعة المادة 43 من لائحة آداب مهنة الطب والقواعد المرتبطة بها، بما يضمن عدم حرمان العابرين والعابرات جندرياً من الرعاية الطبية المؤكدة للنوع.

يجب إعادة النظر في تشكيل واختصاصات اللجنة المعنية، بحيث تكون لجنة علمية مستقلة تستند إلى المعايير الطبية الحديثة، لا إلى اعتبارات غير طبية.

ينبغي إلزام اللجنة بالانعقاد والبت في الطلبات خلال مدد زمنية واضحة، واعتبار الامتناع عن البت أو التأجيل غير المسبب قراراً سلبياً قابلاً للطعن.

يجب حماية الأطباء الذين يقدمون رعاية طبية متوافقة مع المعايير العلمية والموافقة المستنيرة من الملاحقة التأديبية أو الوصم المهني.

لقطاع الأحوال المدنية والجهات الإدارية

ينبغي استحداث مسار إداري واضح لتعديل الاسم وخانة النوع في الأوراق الرسمية، دون اشتراطات تعجيزية أو إجراءات غير محددة المدة.

وقف استخدام عدم تطابق الأوراق مع المظهر كسبب للاشتباه أو الحرمان من الخدمة أو التعرض للإهانة.

ينبغي تمكين الأشخاص من الطعن الفعال على قرارات الرفض أو الامتناع الإداري، مع ضمان السرية وحماية الخصوصية.

للمجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية

ينبغي بناء قاعدة بيانات منهجية للقضايا تشمل سبب القبض، ومكانه، والنصوص المستخدمة، ونوع الدليل، ومآل القضية، والانتهاكات المصاحبة للقبض والاحتجاز.

إعداد ورقة مستقلة عن الاستحالة الطبية والنقابية، توثق حالات امتناع اللجنة عن الانعقاد أو البت، وحالات طلب تقارير يصعب الحصول عليها، وحالات امتناع الأطباء عن تقديم الرعاية خوفاً من المساءلة.

كذلك تدريب محامين ومحاميات على الدفوع المتعلقة بانتفاء الركن المادي والقصد الجنائي، وبطلان الاستيقاف، وبطلان الدليل الرقمي، وبطلان الفحوص القسرية، والطعن على القرار الإداري السلبي.

أخيراً توثيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي للقبض والوصم، خصوصاً في حالات صانعات المحتوى والعاملين في مجالات غير مستقرة، حيث قد يؤدي الاتهام وحده إلى فقدان مصدر الدخل والسكن والدعم الأسري.

لماذا تحتاج المسألة الطبية والنقابية الى ورقة مستقلة؟

تناولت هذه الورقة المسار الطبي والنقابي لأنه جزء من بنية الاستهداف، لكنها لا تدعي أنها استنفدت هذا الملف. على العكس، ما يظهر من الحالات التي عملت عليها المفوضية أو رصدتها يشير إلى أن هذا الجانب يحتاج إلى ورقة مستقلة تقوم على التوثيق التفصيلي.

هذه الورقة الثانية يجب أن تبحث في انعقاد اللجنة المختصة بانتظام، وسند تشكيلها، كذلك مدة البت في الطلبات، والأوراق المطلوبة، ومدى استطاعة الأشخاص الحصول عليها فعلاً، إلى جانب خوف الأطباء من تحرير التقارير أو تقديم الرعاية، وتوثيق حالات الامتناع غير المكتوب، ومدى إمكانية الطعن على هذا الامتناع باعتباره قراراً إدارياً سلبياً، وأثر كل ذلك على الحق في الصحة والعمل والتعليم والتنقل والأمان الشخصي.

أما أهمية الورقة المستقلة، فإنها ستنقل النقاش من العموم إلى التوثيق، والتي منها حالات، وتواريخ، وطلبات، وردود، وامتناع، وأضرار، وهو أمر مهم لأن مشكلة اللجنة لا تظهر دائماً في صورة قرار رفض واضح. أحياناً تظهر في الصمت، والتأجيل، وطلب مستندات مستحيلة، وخوف الأطباء، وتعليق الأشخاص لسنوات بلا مسار.

لكن وجود ورقة مستقلة لا يعني تأجيل هذه النقطة بالكامل، كان ضرورياً إدراجها هنا لأنها تفسر لماذا يصبح الشخص العابر أو العابرة في موقع هش أمام الشرطة والقضاء. فمن دون فهم هذا الانسداد، قد يبدو عدم تطابق الأوراق مع المظهر أمراً فردياً، والحقيقة أنه، في كثير من الحالات، نتيجة مباشرة لمنظومة تمنع الاعتراف ثم تعاقب على غيابه.

خاتمة

تكشف قضية عابدين، وما يشبهها من حالات، عن مشكلة أعمق من واقعة قبض أو اتهام منفرد، فالمشكلة أن القانون يستخدم في الممارسة لمعاقبة أشخاص على مظهرهم وهويتهم، رغم غياب نص يجرم هذه الهوية. وتستخدم نصوص وضعت لأغراض أخرى، مثل الآداب والفجور أو مكافحة الجرائم الإلكترونية، لتغطية فراغ لا يجوز تغطيته أصلاً، أي فراغ تجريم غير موجود.

حين يصبح المظهر شبهة، يصبح المجال العام غير آمن. وحين يتحول الهاتف إلى ملف اتهام، تصبح الحياة الخاصة مكشوفة. وحين تطلب الدولة تقريراً طبياً ثم تمنع الطريق إليه، يصبح الاعتراف القانوني وعداً بلا وسيلة. وحين يعاقب الشخص على أوراق لا يستطيع تعديلها، نكون أمام دائرة مغلقة من المسؤولية المؤسسية.

لا يمكن معالجة هذه الدائرة بإجراء واحد، فوقف الملاحقات القائمة على المظهر ضروري، لكنه لا يكفي، دون إصلاح مسار اللجنة والرعاية الطبية. إلى جانب حماية المحتجزين والمحتجزات من الفحوص القسرية والعنف، فهي ضرورية، لكنها لا تكفي. فالمطلوب هو تغيير طريقة النظر إلى الملف كله، من ملف آداب واشتباه إلى ملف حقوق وكرامة وصحة واعتراف قانوني.

إن حماية العابرين والعابرات جندرياً ليست مسألة هامشية، وليست استثناءً من دولة القانون، بل هي اختبار مباشر لمعنى الشرعية الجنائية، ولحدود سلطة الضبط، ولحق كل شخص في ألا يكون وجوده في الشارع، أو صورته على هاتفه، أو اختلاف أوراقه عن مظهره سبباً في القبض عليه.

مراجع أولية

1- جمهورية مصر العربية – محكمة النقض – جنائي – الطعن رقم 506 لسنة 27 ق | تاريخ الجلسة 8 / 10 / 1957 – مكتب فني 8 – رقم الجزء 3 – رقم الصفحة 765 – القاعدة رقم 205 – [ نقض الحكم والإعادة ]

متاح على

https://www.google.com/url?q=https://www.eastlaws.com/judgments-full-text/ar/egypt/cassation-criminal/judicial-year-27/08-10-1957/no-506?type%3D1%26id%3D20333&sa=D&source=docs&ust=1782300036097254&usg=AOvVaw2FUlxscofXFjCsKI23S4kA

2-  قانون رقم 10 لسنة 1961 في شأن مكافحة الدعارة.

3- قانون العقوبات المصري، خاصة المواد 269 مكررا (أ) و278.

4- قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، خاصة المادة 25.

5- الدستور المصري، خاصة المواد 55 و57 و93 و95.

6- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

7- اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية او اللاانسانية او المهينة.

8- منظمة الصحة العالمية، التصنيف الدولي للامراض، النسخة الحادية عشرة، باب حالات الصحة الجنسية.

9- مبادئ يوجياكارتا 2006 ويوجياكارتا +10.

10- تقارير منظمات حقوقية محلية ودولية حول استهداف الاشخاص ذوي الهويات الجندرية والتوجهات الجنسية غير النمطية في مصر والمنطقة.

11- تقارير ومذكرات الاستعراض الدوري الشامل المتعلقة بمصر، خاصة ما يتصل بالحق في الصحة، ومناهضة التعذيب، والاحتجاز التعسفي، وعدم التمييز.

للاطلاع وتحميل الورقة من هنا:

Download (DOCX, 75KB)

Exit mobile version