اصدارات

حق ومعرفة (13).. مشاركات الأعضاء ,, المنسيات في الغيط: عن العمل غير المرئي في الريف المصري وغياب العدالة الجندرية

مقال رأي 

بقلم: سارة عبد النبي

عندما سلمتُ على تلك المرأة في بيت جدي في إحدى قرى سوهاج، كنت كمن حشر يده في قطعة قماش خشنة. وعندما قبّلتني، رأيتُ عن قرب وجهها الأسمر الذي أنهكته الشمس. سلّمت عليّ بعدما وضعت حزمة البرسيم المتفق عليها بينها وبين جدتي – لا أعلم نظير ماذا.

كانت امرأة من العائلة الممتدة، تعمل – كغيرها من النسوة – في حقول الأزواج والعائلة الصغيرة، أو في قطع زراعية تُسمّى “أحواض”، غالبًا ما تُزرع بالبرسيم أو أعشاب صغيرة سهلة الحشّ كالملوخية والكزبرة.

تعمل في البيت وخارجه، تغسل وتطبخ كأي امرأة، وتحشّ البرسيم وتهتمّ بالبهائم كأي فلاحة.

ربما لن تعلم أبداً أنه في الخامس عشر من أكتوبر، يوماً مخصصاً لها كونها امراة ريفية، يوم واحد فقط نتحدث عما تفعله طيلة حياتها في الزرع والبيت، نكشف فيه الستار عن يدها الجافة وظهرها المتألم من العمل الغير مرئي.

“تعد المرأة مسؤولة عن نصف إنتاج الغذاء في العالم. وفي البلدان النامية، تنتج ما يصل إلى 80 في المائة من الغذاء. لقد تعلمت النساء، كمزارعات، كيفية التعامل مع تغير المناخ والتكيف معه، على سبيل المثال، من خلال ممارسة الزراعة المستدامة في انسجام مع الطبيعة أو التحول إلى البذور المقاومة للجفاف أو استخدام تقنيات منخفضة التأثير أو إدارة التربة العضوية أو قيادة جهود إعادة التشجير والترميم على مستوى المجتمع المحلي”

.

احمد زكي من فيلم البريء

الصورة النمطية والواقع

في الأعمال الفنية والدراما، يظهر الفلاح دومًا رجلًا أسمرَ، يلفح وجهه شمس الحقل، متربًا من العمل. بينما تُرسم زوجته في مشهد دائم: قابعة أمام الفرن، تنتظر عودته من “الغيط”.

لكن في قريتي، بمركز جرجا بمحافظة سوهاج، لم يكن الأمر كذلك. فالريف ليس فقط الأرض والمحصول، بل أيضًا بهائم تسكن “الأحواش” داخل البيوت الريفية، وطيور تُربى في عشش على أسطحها، وتدابير يومية لا تتوقف. 

النساء في الريف يعملن في صمت . يعملن في كل شيء. ووفقًا لتقارير رسمية، تشارك حوالي 42.8٪ من النساء المصريات في القطاع الزراعي، كثير منهن دون عقود، دون أجر، ودون اعتراف قانوني.

اقتصاد موازي لا يُحسب

في طفولتي، شهدت نوعًا من “الاقتصاد الموازي” داخل بيوت القرية.

كان البيض، مثلًا، سلعة أساسية. يُباع لرجل يدقّ الباب كل أسبوع، أو يُستبدل بحاجات أخرى مع الجيران.

الطيور، التي تربيها النساء وحدهن، تشكّل مصدرًا أساسيًا للبروتين، أرخص من اللحم نظراً لنوع الغذاء المقدم للدواجن المنزلية من بقايا فتات الخبز أو الأرز وقليل من الغلة التي يُختص بها الحمام.

تربية المواشي المنزلية مسؤولية نسائية بالكامل. لا أذكر غير زوجة عمي وهي تسير بـ”سطل الماء” لتسقي الجاموسة، التي توفّر الحليب والقشدة والجبن للعائلة الكبيرة.

هذا “العمل”، الذي يُبقي الأسرة على قيد الحياة، لا يُحسب ضمن الناتج المحلي، ولا يُصنّف كـ”وظيفة”.

أعمال السخرة لم تنتهِ

رغم كل هذا الجهد، لا تملك النساء شيئًا تقريبًا.

فبينما بلغت نسبة الأمية بين النساء في بعض قرى الصعيد نحو 86٪، ولا تزال مسألة ميراث البنات قضية شائكة تُقاوَم تحت شعارات مثل “حفاظًا على الأرض من الغُرباء” (ويقصدون أزواج البنات). تضيع أعمار النساء داخل البيوت والحقول في أعمال تصنف من الأدوار الطبيعية لا وظائف ذات عائد اقتصادي حقيقي على المنزل.

وفقًا لإحصائيات وزارة الزراعة، لا تتعدى 6.4٪ من ملكية الأراضي الزراعية في مصر حيازة نسائية، رغم أنهن يعملن في الأرض يوميًا.

وهكذا، تبقى النساء في الريف العمود الفقري للاقتصاد العائلي، دون أجر، دون ضمان اجتماعي، ودون أوراق ملكية.

يملكن الهواء

الملكيّات الوحيدة التي تمتلكها كثير من نساء الريف، هي تلك التي لا تُسجّل في الشهر العقاري، ولا تُورّث رسميًا.

يملكن الماشية الصغيرة، كالدواجن والماعز، ملكيات أشبه بالهواء: لا إثبات لها، ولا ضمان لحقوقهن فيها، سوى شهادة الشهود، أو علم الجيران.

المستقبل يبدأ من العدالة

الكثير من نساء الريف، هنّ نسخ مكررة من قريبتنا تلك: يعملن ويعملن، يصنعن اقتصادًا وبيوتًا، يُدبّرن مصير كل “حبة قمح”، ولا يملكن منها شيئًا.

لكن الحلول ليست مستحيلة:

  • تفعيل التعليم الإلزامي في القرى، ومنع تسرب الفتيات.

  • تقسيم الإرث بعدالة، وفقًا للقانون، وضمان حيازة النساء للأراضي التي يعملن فيها.

  • دعم المشروعات الصغيرة في تربية الدواجن وإنتاج الألبان، وتوفير منافذ بيع عادلة للنساء.

  • تسجيل النساء العاملات في الزراعة رسميًا، لضمان حقوقهن التأمينية والطبية.

ربما آن أوان أن نُسلّط الضوء لا على الرجل العائد من “الغيط”، بل على من كانت هناك قبله، ومن بقيت بعده.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى