اصدارات

حق ومعرفة (15).. ماذا تعرف عن إعلان “ويندهوك”

يوم أن أطلقت أفريقيا شرارة إعلان حرية الصحافة حول العالم

وسط عالم تجتاحه الصراعات، وتئن أرجاؤه تحت وطأة الانتهاكات الحقوقية المتصاعدة، يبدو التذكير باللحظات التي قرر فيها العالم التحصن بالمواثيق لحماية إنسانيته، ضرورة لا رفاهية. ولأن أفريقيا هي مهد البشرية، وقارة التناقضات الصارخة بين الغنى المدقع والفقر الموجع، كان من الطبيعي أن تولد من رحم معاناتها وثيقة استثنائية لتصحيح المسار وتأمين صوت الشعوب. من هناك، صاغ العالم دفاعه الأول عن الحقيقة في وثيقة غيرت شكل الإعلام الجماهيري.. فما هي قصة “إعلان ويندهوك” لحرية الصحافة؟

صورة من إعلان ويندهوك المصدر: أرشيف اليونسكو

الزمان والمكان..البطل

في لحظة فارقة من تاريخ العالم، وتحديدًا عام 1991، بينما كانت البشرية تعبر مخاضًا عسيرًا ومرحلةً انتقالية كبرى، كانت ملامح نظام دولي جديد تتشكل على أنقاض القديم، إذ لفظت الحرب الباردة أنفاسها الأخيرة، وسقط جدار برلين، وبدأ العالم يرتدي ثوبًا مختلفًا، معلنًا نهاية حقبة وبداية أخرى، وفي خضم هذا التحول العاصف، كانت القارة السمراء على موعد مع حدث استثنائي سيخلد اسمه في سجل الحريات.

ففي العاصمة الناميبية ويندهوك، خلال الفترة من 29 أبريل إلى 3 مايو 1991، ولد أحد أهم المراسيم المرتبطة بحرية الصحافة في أفريقيا والعالم.

 لم يكن اختيار ناميبيا محض صدفة؛ بل حمل رمزية عميقة ودلالة سياسية وأخلاقية بالغة، فالبلاد التي  نالت استقلالها للتو عام 1990 بعد عقود طويلة من النضال المرير ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتايد)، لتخرج من عتمة القمع إلى أفق الحرية، كانت الأولى والأصدق بمثل هذا العهد.

كانت ويندهوك آنذاك تتنفس نسائم الاستقلال الأولى، وتتشبع بروح الانعتاق من قيود الماضي، فغدت أرضًا خصبة لمثل هذه المناسبات بحيث لا تقل أهمية عن الاستقلال ذاته حيث إعلاء حرية الكلمة، ورسالة مفادها أن حرية الصحافة ليست ترفا، بل ركيزة أساسية لبناء الديمقراطيات وصون كرامة الشعوب.

جانب من ندوة اليونسكو في ناميبيا 1991 – المصدر: أرشيف اليونسكو

مهندسو الوثيقة..

لهذه الوثيقة ظرفا خاصا ومهما يجعلها أقرب للشعوب منها إلى النخب، فعلى عكس أغلب المعاهدات والمواثيق الدولية التي تصاغ في أروقة مغلقة بأيدي دبلوماسيين وسياسيين يرتدون البذلات الرسمية،  ولد إعلان “ويندهوك” بأيدي من يكتوون بنار المهنة، فلم يصغ هذا الإعلان وزراء إعلام ولا مندوبو حكومات، بل صاغه 63 صحفياً ومحرراً وناشراً من أفريقيا يمثلون 38 دولة، اجتمعوا تحت مظلة ندوة نظمتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بالتعاون مع الأمم المتحدة.

هؤلاء لم يكونوا مجرد منظرين، بل كانوا محاربين على الأرض، كما أن كثير منهم جاؤوا إلى ويندهوك يحملون في ذاكرتهم، وربما على أجسادهم، ندوب الرقابة، وتجربة السجون، ومرارة النفي، وقهر إغلاق صحفهم ومصادرة أقلامهم. 

لقد جاؤوا ليتحدثوا عن واقع إعلامي أفريقي تحتكره الحكومات، وتُسخر فيه الإذاعات والصحف لتلميع الأنظمة وتغييب الوعي. لذا، عندما صاغوا بنود الإعلان في اليوم الختامي ، لم تكن كلماتهم مجرد تنظير قانوني، بل كانت بمثابة وثيقة نجاة تنبع من رحم معاناة حقيقية، يطالبوا فيها ببيئة يمكن للصحفي فيها أن ينقل الحقيقة دون أن يدفع حريته أو حياته ثمناً لذلك.

من هؤلاء المشاركون الذين جاؤوا، صحفيون صودرت مطابعهم، وأُحرقت مقار صحفهم، وذاقوا مرارة النفي، واختبروا عتمة الزنازين الانفرادية، مثل الناميبية “جوين ليستر” التي شاركت في رئاسة المؤتمر، وهي التي أُحرقت مكاتب صحيفتها “ذا ناميبيان” واعتقلت مراراً لفضحها جرائم نظام الفصل العنصري. ومثل الكاميروني الراحل “بيوس نجاو“، الذي اعتقل في بلاده أكثر من مئة مرة بسبب كتاباته الجريئة في صحيفته “لو ميساجيه“، والكيني “جيتوبو إيمانيارا” الذي قضى سنوات في سجون الحراسة المشددة لدفاعه عن التعددية الديمقراطية.

ولكن ما هو “إعلان ويندهوك”؟

بعيداً عن التعقيدات القانونية، يمكن تعريف “إعلان ويندهوك” بأنه وثيقة مبادئ تأسيسية، شكلت اللبنة الأولى للمفهوم الحديث لحرية الصحافة وتعددية الإعلام. لقد كسر الإعلان احتكار السلطة للمعلومة، وأسس لمرحلة تُعتبر فيها الصحافة الحرة والمستقلة والتعددية شرطاً لا غنى عنه لتحقيق الديمقراطية والتنمية الاقتصادية وحفظ حقوق الإنسان.

لقد قام هذا الاتفاق التاريخي على ركائز واضحة، رسمت ملامح ما يجب أن تكون عليه الصحافة على رأسها مبدأ الاستقلالية التامة إذ عرف الإعلان “الصحافة المستقلة” بأنها تلك التي تتحرر من أي سيطرة حكومية أو سياسية أو اقتصادية، وألا تكون خاضعة لاحتكار المواد الأساسية اللازمة للإنتاج الصحفي (مثل الورق أو ترددات البث). كانت هذه ضربة قاصمة لواقع الإعلام الرسمي الموجه الذي كان سائداً، كما نصت الوثيقة على ضرورة إنهاء جميع أشكال الاحتكار الإعلامي، وتشجيع إنشاء أكبر عدد ممكن من الصحف والمجلات ووسائل البث التي تعكس أوسع نطاق ممكن من الآراء داخل المجتمع، لضمان ألا يكون هناك صوت واحد يهيمن على الحقيقة، وأخيرا الأمن وحماية الصحفيين الذي ربما يكون من المبادئ الأكثر التصاقاً بالواقع الحقوقي، حيث أدان الإعلان بعبارات حاسمة الممارسات القمعية، من رقابة مسبقة، وتخويف، واعتقال تعسفي، واغتيالات تطال الصحفيين، مؤكداً أن بيئة العمل الصحفي يجب أن تكون آمنة ليتمكن تدفق المعلومات من أخذ مجراه الطبيعي.

جانب من اجتماعات “ويندهوك” – المصدر: أرشيف اليونسكو 

أما الإنجاز الأهم لإعلان ويندهوك في أنه لم يبق حبيس القارة الأفريقية، بل تحول إلى شرارة أضاءت العالم بأسره، فما كان للنجاح المدوي والتأثير العميق الذي أحدثه الصحفيين الأفارقة في ويندهوك، إلا أن دفع الدول الأعضاء في اليونسكو إلى تبني الإعلان في عام 1991. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1993 قراراً تاريخياً بإعلان يوم 3 مايو (تاريخ توقيع إعلان ويندهوك) من كل عام “يوماً عالمياً لحرية الصحافة”. وبذلك، فرضت أفريقيا، أجندتها الحقوقية على العالم أجمع.

كما لقد ألهمت وثيقة “إعلان ويندهوك” 1991 مناطق أخرى من العالم لتنظيم ندوات مماثلة وإصدار إعلاناتها الخاصة المتعلقة بحرية الصحافة، مثل

– إعلان “ألما آتا” في آسيا الوسطى (1992)

–  إعلان “سانتياغو” في أمريكا اللاتينية (1994)

 – إعلان “صنعاء” في العالم العربي (1996)

– إعلان “صوفيا” في أوروبا الوسطى والشرقية (1997)

 لقد أصبح ويندهوك النموذج والمعيار الذهبي الذي تقاس عليه حرية الإعلام عالمياً.

أما أهمية ويندهوك الحقوقية تكمن في أنه أخرج حرية الصحافة من مربع الرفاهية الفكرية إلى كونها ضرورة وجودية. لقد أكد الإعلان أن حرمان الشعوب من المعلومات، وتكميم أفواه الصحفيين، هو المدخل الأول للفساد المالي والسياسي، وهو الغطاء الذي ترتكب تحته أفظع انتهاكات حقوق الإنسان، فالإعلان جسد المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أرض الواقع، وجعل الصحافة المستقلة العين الحارسة لحقوق البشر.

في النهاية، لم يكن إعلان ويندهوك مجرد لحظة تمرد عابرة لصحفيين أفارقة، بل كان عقداً اجتماعياً جديداً، فرض على العالم الاعتراف بأن اغتيال الحقيقة هو أولى خطوات اغتيال الإنسانية، وأن الكلمة الحرة هي الضامن الوحيد لعدم انزلاق العالم نحو وحشية الاستبداد.

للاطلاع على الاعلان يرجى الضغط هنا

.

1 في لحظة فارقة من تاريخ العالم، وتحديدًا عام 1991، بينما كانت البشرية تعبر مخاضًا عسيرًا ومرحلةً انتقالية كبرى، كانت ملامح نظام دولي جديد تتشكل على أنقاض القديم، إذ لفظت الحرب الباردة أنفاسها الأخيرة، وسقط جدار برلين، وبدأ العالم يرتدي ثوبًا مختلفًا، معلنًا نهاية حقبة وبداية أخرى، وفي خضم هذا التحول العاصف، كانت القارة السمراء على موعد مع حدث استثنائي سيخلد اسمه في سجل الحريات
2 من هؤلاء المشاركون الذين جاؤوا صحفيون صودرت مطابعهم، وأُحرقت مقار صحفهم، وذاقوا مرارة النفي، واختبروا عتمة الزنازين الانفرادية، مثل الناميبية “جوين ليستر التي شاركت في رئاسة المؤتمر، وهي التي أُحرقت مكاتب صحيفتها “ذا ناميبيان” واعتقلت مراراً لفضحها جرائم نظام الفصل العنصري.
3 أما الإنجاز الأهم لإعلان ويندهوك في أنه لم يبق حبيس القارة الأفريقية، بل تحول إلى شرارة أضاءت العالم بأسره، فما كان للنجاح المدوي والتأثير العميق الذي أحدثه الصحفيين الأفارقة في ويندهوك، إلا أن دفع الدول الأعضاء في اليونسكو إلى تبني الإعلان في عام 1991.
4 أما أهمية ويندهوك الحقوقية تكمن في أنه أخرج حرية الصحافة من مربع الرفاهية الفكرية إلى كونها ضرورة وجودية. لقد أكد الإعلان أن حرمان الشعوب من المعلومات، وتكميم أفواه الصحفيين، هو المدخل الأول للفساد المالي والسياسي، وهو الغطاء الذي ترتكب تحته أفظع انتهاكات حقوق الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى