حق ومعرفة(12)- بالنضال.. نحن نستطيع ,, القضاء ينصف مرضى السكر وضمور العضلات: أحكام قضائية تُلزم الدولة بعلاج المواطنين

لكل شخص الحق في الصحة، بوصفه أحد الحقوق الأساسية التي لا يجوز التنازل عنها أو تعطيلها. ويقتضي هذا الحق أن تلتزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة لضمان الرعاية الصحية المناسبة، وتوفير الأدوية والتقنيات العلاجية الأساسية لجميع المواطنين، دون تمييز، وحتى وإن كانت هذه الرعاية باهظة التكاليف؛ فهذا الحق ليس ترفا، بل هو التزام دستوري وقانوني، وواجب إنساني أصيل في رقبة كل دولة تجاه مواطنيها.
لكن الواقع في مصر يُظهر فجوة واضحة بين ما ينص عليه الدستور من حقوق صحية وما يعيشه المواطنون فعليًا. ففي كثير من الحالات، يُجبر المرضى وأسرهم على اللجوء إلى القضاء للحصول على حقهم في العلاج، بعد أن ترفض مؤسسات الدولة توفير الأدوية أو الأجهزة الطبية، متذرعةً بارتفاع التكاليف أو غياب التعليمات. وفي هذه المعركة الصعبة التي يخوضها المواطنون من أجل علاج أحبّائهم وتخفيف آلامهم، كانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات حاضرة، تساندهم وتدعمهم في نضالهم المشروع من أجل الحياة.
في هذا السياق، شهد شهر مايو 2025 انتصارات قانونية جديدة للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، تمثّلا في حصول محامي المفوضية على ثلاثة أحكام قضائية مهمة تلزم هيئة التأمين الصحي بتقديم العلاج اللازم لطفل مصاب بالسكري وعدد من الأطفال المصابة بضمور العضلات.
ففي القضية الأولى، أصدرت الدائرة الحادية عشر بمحكمة القضاء الإداري حكمًا بقبول الدعوى المقامة من (وائل. ن) بصفته وليا على نجله، وألغت القرار السلبي الصادر عن هيئة التأمين الصحي بالامتناع عن صرف جهاز قياس السكر “فري ستايل ليبري” مع مستلزماته. ويُعد هذا الجهاز من التقنيات الطبية المتطورة، التي تُمكن مرضى السكري – خصوصًا الأطفال – من مراقبة نسبة السكر في الدم دون الحاجة للوخز المتكرر، مما يحميهم من الهبوط المفاجئ أو الارتفاع الحاد لنسبة السكر، وبالتالي تجنب مضاعفات قد تكون قاتلة.
وشددت المحكمة في حكمها على أن المادة (8) من الدستور المصري الصادر عام 2014 تنص على أن “يقوم المجتمع على التضامن الاجتماعي. وتلتزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي، بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين…”. كما أن المادة (17) من الدستور تنص على أن “تكفل الدولة توفير خدمات التأمين الاجتماعي…”.

صورة ضوئية من الحكم الصادر
أما القضية الثانية، فقد أصدرت محكمة القضاء الإداري بمحافظة قنا حكمًا بإلغاء قرار الهيئة العامة للتأمين الصحي بالامتناع عن صرف علاج لطفل مصاب بمرض ضمور العضلات، استجابةً للدعوى رقم 2844 لسنة 33 ق، التي قدمها ولي أمره بدعم قانوني من “المفوضية المصرية”. ويُعد هذا العلاج مكلفًا جدًا، لكنه ضروري لإبطاء تدهور الحالة الجسدية وتحسين نوعية حياة المريض.
وفي قضية ثالثة حملت رقم 26234 لسنة 79 ق أقامها محامي المفوضية نيابة عن عدد من الأهالي ضد وزير الصحة والسكان ورئيس هيئة التأمين الصحي، لعلاج ذويهم مرضى ضمور العضلات على نفقة الدولة، قضت محكمة القضاء الإداري بقبول الدعوى وإلغاء القرار السلبى بالامتناع عن صرف العلاج الخاص بمرضى ضمور العضلات لأبناء مقيمي الدعوى.
إن هذه الأحكام القضائية ليست فقط انتصارًا لتلك الأسر، بل تأكيد واضح على أن الحق في الصحة لا يسقط بالصمت ولا يُعطل بالتكلفة. فالدستور المصري في مادته الثامنة عشرة يضمن هذا الحق لكل مواطن، حيث ينص على أن “لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة، وتكفل الدولة الحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة التي تقدم خدماتها للشعب ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي العادل”.
وبموجب تلك الدولة “تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية. وتلتزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل لجميع المصريين يغطي كل الأمراض، وينظم القانون إسهام المواطنين في اشتراكاته أو إعفاءهم منها طبقاً لمعدلات دخولهم. ويجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة. وتلتزم الدولة بتحسين أوضاع الأطباء وهيئات التمريض والعاملين في القطاع الصحي. وتخضع جميع المنشآت الصحية، والمنتجات والمواد، ووسائل الدعاية المتعلقة بالصحة لرقابة الدولة، وتشجع الدولة مشاركة القطاعين الخاص والأهلي في خدمات الرعاية الصحية وفقاً للقانون”.

أحد الأحكام الصادرة تؤكد على أن لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة
كما أن المواثيق الدولية – من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية – تضع الحق في الصحة في صدارة الحقوق التي يجب على الحكومات حمايتها وتوفير شروط تحققها.
وتُجدد المفوضية المصرية للحقوق والحريات التأكيد على أهمية التمسك بالمسار القانوني كوسيلة فعالة لانتزاع الحقوق، وعلى ضرورة امتثال المؤسسات الحكومية للأحكام القضائية الصادرة دون تأخير أو تسويف. فكل لحظة تُهدر في تنفيذ هذه الأحكام تعني ألمًا إضافيًا لطفل، أو خطرًا جديدًا على حياة إنسان.
وفي بلدٍ يواجه فيه المرضى عوائق إدارية ومادية في الحصول على علاجهم، تثبت هذه الأحكام أن النضال السلمي والقانوني يمكنه أن يفتح أبواب الحياة المغلقة، وأننا – بالفعل – نستطيع.




