اصدارات

حق ومعرفة(12) — أحلم بزنزانة من كرز”: كتاب حوّل جدران السجن إلى صفحات أدب خالد

في زمنٍ تكتب فيه المعاناة غالبا بلغة الأرقام والتقارير، يجيء كتاب “أحلم بزنزانة من كرز” ليعيد للألم صوته الإنساني، وللأسيرة وجهها، وللحكاية نبضها الحقيقي. إنه نص لا يروي وقائع فقط، بل يعيد تشكيلها بلغة مشحونة بالجمال والصدق، ليتحوّل السجن من مساحة للعقاب إلى فضاء للكتابة، ومن جدران صامتة إلى صفحات ناطقة بالتجربة والمقاومة.

هذا العمل لا يُقرأ بوصفه توثيقًا فقط، بل بوصفه محاولة لاستعادة ما أراد القيد أن يطمسه: الكرامة، والذاكرة، والقدرة على الحلم، حتى من داخل الزنزانة.

“تشعر برغبة شديدة في الوقوف تحت الشمس لكن الدقائق العشر المسموح بها مرتين في الأسبوع موعدها ليس اليوم”

الاقتباس السابق من كتاب أحلم بزنزانة من كرز، للسجينتين السابقتين سها بشارة وكوزيت إبراهيم، الذين اعتقلا في سجن الخيام سيء السمعة الذي صنعته ” إسرائيل” ومع ذلك أنكرت وجوده لسنين داخل الأراضي اللبنانية المحتلة آنذاك.

والكتاب من أعمال الأدب السجني العربي ذات المستوى اللغوي الرفيع، صدر عام 2011 عن دار الساقي، وعلى بعد 11 عاما من انتهاء هذا الكابوس، وتحرير جنوب لبنان، ومن ثم هدم المعتقل وتدميره لاحقا على أيدي القوات الإسرائيلية طمعا في محو تاريخها الإجرامي، ولكن بفضل الأدب وهذا الكتاب خصوصا، صارت هناك وثائق إنسانية تكشف النقاب عن تجربة الاعتقال في سجن الخيام الإسرائيلي ليس كمجرد سرد للأحداث، بل كتحفة أدبية تبرز كيف يمكن للغة أن تتحول إلى سلاح مقاومة، وكيف تتحول الزنزانة إلى فضاء للإبداع.

غلاف كتاب أحلم بزنزانة من كرز

الجحيم الذي أنجب أدباً

كان سجن الخيام الذي تأسس عام 1985 في جنوب لبنان واحداً من أكثر مراكز الاعتقال رعباً، والأكثر خسة، إذ أن إعداده كمعتقل تم من خلال الميليشيات اللبنانية التي تحالفت مع العدو أثناء الحرب الأهلية في لبنان، فكان للمعتقل سمعة شديدة السوء نتيجة وضع الأسرى داخله وتحت أسوء الظروف، هدفها كسر  إرادة المعتقلين، حيث الزنازين الضيقة التي لا تتجاوز مساحتها متراً مربعاً واحداً، والظلام الدامس، والتعذيب النفسي والجسدي الممنهج، كلها عناصر جعلت من هذا السجن جحيماً على الأرض، على سبيل المثال لا الحصر ظلت سها تعيش مكبلة الأيدي على مدار 6 أشهر تأكل وتشرب وتقضي حاجتها  عبر الحارسات اللواتي مللن فكها، وتقييدها وتوقفن عن ذلك لشعورهن بالإرهاق بعد أن صدأ الحديد نفسه، ومل تعذيب الفتاة البريئة ذات العشرين ربيعا آنذاك.

ولكن عبر الظلام تتكشف نقطة الضوء، ومن رحم المعاناة يولد الإبداع، إذ أن هذه الظروف القاسية بالذات أفرزت شكلاً فريداً من المقاومة الثقافية. ففي زنزانة النساء رقم 7، حيث تم احتجاز المؤلفتين، ولدت تجربة إبداعية فريدة. السجينات اللواتي حُرمن من أدوات الكتابة التقليدية، اخترعن أساليب بدائية لتسجيل تجاربهن. من كتابة الشعر بأظافرهن على الجدران الرطبة، إلى تبادل القصص عبر نظام اتصال سري، إلى حفظ النصوص في الذاكرة لكتابتها لاحقاً.

أبطال الكرز.. سيرة ذاتية

“اقتحمت أناقته عليّ سنتيمترات زنزانتي القليلة مضفـية عليها ترفاً مريباً. كرز فـي الزنزانة الرقم سبعة التي بالكاد تتسعُ لأمدّد فـيها جسدي وأستطيع أن ألمس جداريها المتوازيين بيدي فـي آن واحد، ولو فكروا أن يعطوني صندوقاً من الكرز لما وجدت له مكاناً أضعهُ فـيها. لا يمنع أنني تمنيت لو تُملأ زنزانتي تلك كرزاً”

المناضلة ومؤلفة الكتاب سهى بشارة

تلك الخيالات وغيرها التي تفضح كلماتها وجع السجن، وتستعرضه بشكل شعري بديع، قامت عليه مؤلفتان لم تحاول إحداهما حتى تذييله باسمها تحت أي من فصوله، لتشعر أنك أمام كتاب لا تُعنى فيه الأسماء بقدر ما يُعنى بجراح الحكاية، كتاب تنحّت فيه الذات الكاتبة جانبًا، لتفسح المجال لوجع الأسيرة أن يتكلم، وللحقيقة أن تُروى بصوتها العاري، حيث اختارتا طمس الهوية في سبيل إنقاذ الذاكرة من النسيان، وتقديم المعاناة لا المؤلف، والشهادة لا الشهرة.

أما المؤلفتان فصاحبتا تجربتا اعتقال قاسيتان، الأولى هي سهى بشارة التي ولدت عام 1967 وهي سهى فواز بشارة، فتاة لبنانية قامت في عمر العشرين بِمُحاولة قتل الجنرال أنطوان لحد قائد ما يسمى بجيش لبنان الجنوبي، الذي نجا من مُحاولة الاغتيال، ولكن اعتقلت قواته سهى بشارة وسجنتها في معتقل الخيام الشهير. تم إطلاق سراح سهى في الثالث من سبتمبر عام 1998م بعد إنطلاق حملات لبنانية وأوروبية مكثفة لصالحها.

في عام 2003م أطلقت سهى كتاب سيرة ذاتية شخصية لها أسمته “مُقاومة” يحكي عن حياتها في لبنان قبل وبعد الاعتقال. ثم كان كتابنا “أحلم بِزنزانة من كرز” في عام 2011، كما أن جزء من قصة سهى تم استخدامها عام 2010م في فلم كندي يُدعى ” الحرائق”.

وُلِدت سهى في بلدة دير ميماس، تربت في عائلة شرقية أرثوذوكسية، والدها: فواز بشارة، كان عضو في الحزب الشيوعي اللبناني الذي انضمت إليه سهى لاحقاً بالسر في عام 1982م وهي ذات السنة التي اقتحمت فيها إسرائيل الأراضي اللبنانية. كانت سهى ناشطة في داخل هيئات الحزب الشيوعي خصوصاً جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية و إتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني.

وقد جاءت سهى إلى السجن بلا خبرة أدبية. لكن سنوات الاعتقال الطويلة حولتها إلى كاتبة متمكنة. تجربتها في الحبس الانفرادي التي استمرت ست سنوات، والتي وصفها الكتاب بتفاصيل مؤلمة، خلقت لديها حساسية لغوية غير عادية.

أما كوزيت إبراهيم، الصحفية المحترفة التي اعتقلت لاحقاً، فقد جاءت إلى السجن بعين المراقب المدرب. ملاحظاتها الدقيقة للتفاصيل اليومية في السجن، وقدرتها على تحويل الوقائع إلى نصوص أدبية مؤثرة، أعطت للعمل بعداً فنياً متميزاً، وكوزيت التي اعتقلت لمدة عام واحد تم إطلاق سراحها في عام 2000 بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني وتخلي قوات جيش لبنان الجنوبي عن معتقل الخيام. 

أما مكان الكتاب أي سجن الخيام فهو معتقل يقع على تلة مرتفعة ضمن بلدة الخيام في موقع حصين يطل على شمال فلسطين من جهة وعلى مرتفعات الجولان السورية من جهة ثانية، يتكون من خمسة مبان وكل مبنى يتألف من عشرين غرفة مساحة الغرفة الجماعية لا تتعدى المترين طولا والمتر ونصف عرضا يحشر فيها من خمسة إلى ستة أفراد والغرفة الانفرادية لا تتعدى التسعين سنتيمتر طولا وعرضا تقع بداخله ساحة رئيسية، واحدة مخصصة كسجن للنساء وأربعة للرجال، يبلغ عدد زنزاناته الجماعية سبعا وستين، والفردية تزيد على العشرين.

والخيام هو بالأساس أنشأته القوات الفرنسية في أيام الانتداب الفرنسي على لبنان عام 1933، ليكون ثكنة عسكرية ومقراً لها في الجنوب اللبناني. وبعد أن نال لبنان استقلاله تسلم الجيش اللبناني الثكنة وبقي يستعمل كمعسكر إلى أن قامت إسرائيل باجتياح الجنوب اللبناني سنة 1982، فقامت باستعماله كمركز تحقيق واستجواب؛ وفي عام 1985 انسحبت إسرائيل جزئياً من جنوب لبنان ومع انسحابها سقط معتقل أنصار الشهير، وبقيت بلدة الخيام تحت سيطرتها، فتم استعمال الثكنة كمعتقل بديلاً عن معتقل أنصار وعرف بعدها باسم معتقل الخيام.

الصحفية كوزيت إبراهيم مؤلفة الكتاب

الأدب كتوثيق: عندما تتكلم الذاكرة بلغة الجمال**

في “زنزانة من كرز” لا نقرأ فقط حكاية عن الأسر، بل نعبر تجربة حية تتأرجح بين قسوة الواقع وحساسية التعبير. الأسلوب السردي يمسك القارئ من اللحظة الأولى، ويأخذه في رحلة تتنقل بين واقعية السيرة وجمالية النثر. لم أشعر أنني أمام فصول تقليدية، بل أمام مقاطع متقطعة تعكس ببراعة الزمن المشظّى داخل الزنزانة: زمن لا يسير، بل يتكسّر تحت وطأة التعذيب والانتظار.

منذ أن قرأت عبارة “زنزانة من كرز”، شعرت بأن الألم هنا ليس فقط ملموسًا، بل مجمّلًا بلغة لا تهادن، لكنها أيضًا لا تتخلى عن الشعر. هذه الاستعارات ليست ترفًا بلاغيًا، بل مفاتيح لفهم نفسية الأسيرة، ومحاولة لإعادة بناء ما تهدم بلغة رمزية.

اللافت في الكتاب هو قدرته على التنقل بين مستويات لغوية مختلفة دون أن يضيع القارئ. من وصف دقيق لأساليب التعذيب، إلى تأملات في ماهية الحرية، ثم لحظات شعرية مكتملة تشبه الومضات التي تضيء النص فجأة. هذه التوليفة بين الوثيقة والقصيدة هي ما يجعل العمل مختلفًا ومؤثرًا في آن.

من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل خصوصية هذا الصوت النسائي في سياق أدب السجون العربي. فالرؤية هنا ليست فقط توثيقًا لتجربة اعتقال، بل كشفًا دقيقًا لتأثيره على الجسد والهوية والذاكرة. المقاومة التي يعرضها النص ليست مسلحة، بل ثقافية، هادئة أحيانًا وصادمة أحيانًا أخرى. وربما لهذا السبب يبدو الكتاب أكثر قربًا، وأكثر قدرة على الاستمرار في التأثير.

الصوت النسائي أيضا كان حاضرا في الكتاب بشكل آخر وعبر الصورة، إذ احتوى الكتاب الذي خلى من الشعارات الثقيلة، على صور للأشغال اليدوية المتنوّعة التي أنجزت في المعتقل، رغم عدم توافر أي مواد أوليّة قبل  إدخال الخرز والإبر والخيوط إلى المعتقل، من قبل الصليب الأحمر الدولي، إذ كانت السبحة تُصنع من بذور حبّات الزيتون التي تُقدّم مع وجبة الفطور أما الخيط يؤمّن من الخيوط الموجودة في الفرش والأغطية المهترئة، كما أنّ إبرة التطريز صنعت من أعواد ربطة الخبز البلاستيكية، ومن ثمّ من دبوس الشعر الذي أُدخل خلسة إلى الزنزانة، مع إحدى المعتقلات.

تأثير يتجاوز النص

لحسن الحظ لم يبقَ حبيس صفحاته، بل خرج إلى فضاءات أوسع، ليصبح مرجعًا مهمًا في توثيق الانتهاكات داخل السجون الإسرائيلية، وأداة يستخدمها المحامون والحقوقيون في محاولاتهم لوقف هذا العنف المستمر. كما ألهم العديد من المبدعين في مجالات السينما والفن التشكيلي، وكأن التجربة التي وثقتها الكاتبتان تحولت إلى ذاكرة جماعية تنبض في أجساد أخرى.

لكن أكثر ما يثير التفكير بعد إنهاء القراءة، هو كيف استطاع هذا الكتاب أن يعيد تعريف المقاومة الثقافية ربما لأول مرة بهذه الوضوح، حيث أن الكلمة حين تُكتب من قلب التجربة، تصبح سلاحًا حقيقيًا. بل أحيانا كثر نفاذًا من أي طلقة.

في هذا السياق، لا يبدو “أحلم بزنزانة من كرز” كتابًا عن ماضٍ بعيد، بل وثيقة نابضة، تصفع الحاضر وتدعونا للتأمل في المستقبل. إنه تذكير بأن القمع قد يكسر العظام، لكنه لا يملك القدرة على كسر الكلمة. وأن من يكتب من عمق الألم، غالبًا ما يكون أقرب إلى الحرية من سجّانه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى