حق ومعرفة (15).. شخصية العدد ,, روز اليوسف: المهاجرة التي فرضت مواطنتها بـ “الكلمة”

في زمنٍ تغلق فيه الحدود وتختزل فيه حكايات اللاجئين في أرقامٍ باردة، يبدو من الضروري أن نتذكر أن هذه الأرض كانت يومًا ما مساحةً مفتوحة، لا يسأل فيها البشر على اختلاف مشاربهم، عن أوراقهم بقدر ما تختبر بما ستضيفه، وفي مطلع القرن العشرين، لم تكن الإسكندرية مجرد ميناء، بل كانت وعدًا غير مكتوب: أن القادم من خارجها يمكن أن يصبح جزءًا منها، وربما يعيد تشكيلها.
وسط هذا المشهد، تصل طفلةٌ لا تحمل من العالم سوى فقد مبكر وإحساسٍ جارح بالوحدة، لا تملك اسمًا ثقيلًا، ولا جذورًا تحميها، ولا مستقبلًا واضحًا. وجدت نفسها تقف على رصيف الميناء، تراقب سفينةً تبتعد، وكأنها تسحب معها آخر ما يربطها بالأمان.
لكن تلك اللحظة لم تكن مجرد فراق شخصي، بل كانت بكل قسوتها بداية سؤال أكبر: ماذا يفعل الإنسان حين يترك بلا جذور؟ هل يبحث عن أرضٍ تحتويه… أم يفرض نفسه عليها؟
في عالم اليوم، قد تدفع هذه الطفلة إلى هامش طويل من الانتظار والرفض، لكن في ذلك الزمن، وفي تلك المدينة، كان هناك احتمال آخر: أن تتحول الغربة إلى قوة، وأن يصبح “الوافد” فاعلًا، لا عبئًا، من هذه اللحظة تحديدًا، تبدأ قصة امرأة لن تكتفي بالانتماء، بل ستعيد تعريفه، سميت فاطمة اليوسف واختارت روز اليوسف مسمى فنيا وصحفيا لها.
ولدت فاطمة اليوسف، المعروفة لاحقًا باسم “روز اليوسف”، عام 1898 في مدينة طرابلس- لبنان، في بيئة لم تمنحها الاستقرار طويلًا، إذ لم تكد تبدأ في التعرف على العالم حتى فقدت والدتها وهي في سن مبكرة جدًا، لتدخل منذ طفولتها الأولى في دائرة من الاضطراب العاطفي والاجتماعي.
بعد وفاة الأم، لم يستطع والدها توفير حياة مستقرة لها، وتنقلت بين عدد من الأوصياء والرعاة، حتى جاءت في صحبة والدها، تحمل معه ما تبقى من عالمها الصغير بعد فقدان الأم، إذ كانت الرحلة طويلة ومربكة، بدأت من طرابلس، مرورًا بمحطات لم تكن تفهمها، مثل تركيا، حتى انتهت إلى الإسكندرية المدينة التي ستعيد تشكيل مصيرها بالكامل، لكن الوصول لم يكن بداية الاستقرار، بل بداية الفقد الثاني.
فما إن وطأت قدماهما أرض الإسكندرية، حتى اتخذ والدها قرارًا سيغير كل شيء وهو السفر إلى أمريكا الجنوبية، بحثًا عن الرزق، تاركًا ابنته أمانة لدى صديق له، هو المسرحي المعروف إسكندر فرح، أحد أبرز رواد المسرح في ذلك الوقت.
غلاف كتاب مذكرات روز اليوسف – المصدر: أرشيف صحفي
في الظاهر، كان الأمر مؤقتًا، طفلة تترك في رعاية أسرة موثوقة إلى حين عودة الأب، لكن هذا “المؤقت” لم ينته أبدا، فقد سافر الأب، ولم يعد، إذ انقطعت أخباره تمامًا، وترددت روايات لاحقة عن وفاته في الغربة، لتجد الطفلة نفسها فجأة في مواجهة حقيقة قاسية إذ لم تعد هناك عائلة تنتظرها، ولا جذور تعود إليها.
في تلك اللحظة، لم تكن فاطمة اليوسف مجرد طفلة تترك في بيت جديد، بل أصبحت مجبرة، ومسؤولة عن أن تصنع لنفسها مكانًا في عالم لا يمنح المكان بسهولة، وهكذا، لم تكن مصر بالنسبة لها وطنًا وصلت إليه، بل أرضًا تنتمي إليها، ونضجت قبل الأوان كما يقال.
واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في طفولتها، والتي وثقتها بنفسها في مذكراتها “ذكريات”، كانت لحظة وقوفها على رصيف ميناء الإسكندرية، تراقب سفينة والدها وهو يرحل.
“فقدت أبي وأنا لا أزال طفلة، لا لأنه مات، بل لأنه سافر إلى أمريكا وتركني في الإسكندرية أمانة عند صديق له، وكنت في تلك السن الصغيرة أحس أنني أصبحت وحيدة في هذا العالم.”
طفلة بلا جذور… وبداية التشكل
لم تكن تلك الطفولة مجرد مرحلة عابرة، بل كانت التربة التي نمت منها شخصيتها لاحقًا. فقد دفعتها هذه التجربة إلى الاعتماد على نفسها مبكرًا، وإلى البحث عن “مكان” تصنعه بجهدها، لا ترثه.
هذا الإحساس المبكر بالغربة هو ما يفسر لاحقًا جرأتها، واستقلالها، وعدم خضوعها للسلطة أو التقاليد بسهولة. فهي لم تنشأ داخل منظومة مستقرة تفرض عليها قواعدها، بل نشأت خارجها، أو على هامشها.
لم يمر وقت طويل حتى تحول هذا الإحساس بالغربة إلى طاقة حركة، في بيت إسكندر فرح، إذ لم تكن فاطمة اليوسف مجرد طفلة عادية، ودخلت عالم التمثيل مبكرًا، وصعدت إلى المسرح، ومع تراكم الخبرة، بدأت تدرك أن التأثير الحقيقي لا يكتمل بالتصفيق، بل بالكلمة.
هكذا انتقلت بخطوة جريئة أخرى من الخشبة إلى الصحافة، حاملةً معها الأداء وجرأة المواجهة، إذ لم تدخل المهنة كمتدربة صامتة، بل كصوت يتشكل على مهل، ويختبر حدوده بلا خوف.
في هذا الانتقال، لاحظ الكاتب والصحفي محمد التابعي، أحد أبرز المقربين منها، أن روز اليوسف لم تدخل الصحافة كهاوية، بل كقوة دافعة، تمتلك حسًا سياسيًا حادًا ورغبة في كسر السائد، وهو ما ظهر بوضوح في طبيعة المجلة التي حملت اسمها لاحقًا.
مصر كمساحة استقبال لا إقصاء
بدا واضحًا أن الوطن الجديد – مصر – بدوره مرحبًا بتحركاتها وانتقالاتها، وقد جاء هذا الترحيب في سياق أوسع لبلد كان، في مطلع القرن العشرين، يعيد تشكيل نفسه عبر تعددية نادرة، إذ لم تكن مصر آنذاك مغلقة على هوية واحدة، بل مساحةً تستوعب القادمين من الشام وأوروبا والأناضول، وتمنحهم فرصة المشاركة في صياغة المجال العام.
في الصحافة تحديدًا، برزت أسماء مهاجرة أسست لواحد من أهم أعمدتها؛ فقد أسس الأخوان – شوام – بشارة تقلا وسليم تقلا جريدة الأهرام، التي أصبحت لاحقًا من أبرز الصحف في العالم العربي، بينما أسس جرجي زيدان مجلة دار الهلال، التي لعبت دورًا محوريًا في نشر الثقافة والمعرفة.
لم تكن هذه التجارب استثناءات، بل تعبيرًا عن مناخٍ سمح للوافد بأن يتحول إلى فاعل، لا مجرد مهاجر، وفي هذا المناخ تحديدًا، وجدت روز اليوسف طريقها، لكنها لم تكتفِ بأن تكون امتدادًا لهذا التقليد، بل دفعت به خطوة أبعد؛ إذ لم تتوقف عند حدود التأسيس الثقافي، بل اقتحمت المجال السياسي، وحولت الصحافة إلى مساحة مواجهة صريحة مع السلطة.
وهكذا، لم يكن ترحيب مصر بها مجرد استقبالٍ أولي، بل كان جزءًا من لحظة تاريخية أوسع، أفسحت المجال أمام “الغريب” ليصبح شريكًا في تعريف الوطن نفسه، وهو ما استثمرته روز اليوسف بأقصى ما يمكن، حتى أصبحت واحدة من أكثر الأصوات حضورًا وتأثيرًا في تاريخ الصحافة المصرية.
حول هذه الأجواء وذلك السياق، تعبر المرشحة السابقة لعضوية مجلس نقابة الصحفيين، الصحفية فيولا فهمي، عن هذه المرحلة بوصفها لحظة استثنائية في تاريخ مصر، حيث لم يكن الانتماء يقاس بالعرق، أو الأوراق بقدر ما كان يقاس بالفعل والتأثير. وتشير إلى أن تجربة روز اليوسف تمثل نموذجًا مكثفًا لكيف يمكن للوافد أن يتحول، في ظل مناخ مفتوح نسبيًا، إلى فاعل رئيسي في تشكيل المجال العام، لا مجرد مشارك فيه.
تضيف فهمي أن ما يميز تجربة روز اليوسف تحديدًا، ليس فقط قدرتها على الاندماج، بل انتقالها من موقع “الضيفة” إلى موقع المؤثرة على المشهد، حيث لم تكتفِ بالاستفادة من المساحة المتاحة، بل ساهمت في توسيعها نفسها، ودفعت بحدود حرية التعبير إلى مناطق أكثر جرأة.
وفي هذا الإطار، تبدو روز اليوسف حالة خاصة داخل ظاهرة أوسع؛ إذ لم تتوقف عند حدود النجاح الفردي، بل أعادت تعريف دور الصحافة نفسها، من كونها ناقلًا للخبر إلى كونها طرفًا في الصراع حوله.
تقارن فهمي بين ذلك المناخ المنفتح نسبيًا في مطلع القرن العشرين، وبين واقعٍ معاصر أكثر تعقيدًا في ما يتعلق بالحريات والتعامل مع الأجانب، وكذلك حضور المرأة في المجال الصحفي، فبينما أتاح ذلك الزمن على ما فيه من قيود مساحات غير متوقعة لصعود أسماء نسائية مثل روز اليوسف إلى مواقع القيادة والتأثير، لم يكن هذا الصعود سهلًا أو شائعًا، بل جاء استثنائيًا ومصحوبًا بقدر كبير من التحدي الشخصي والمجتمعي.
اليوم، تبدو الصورة أكثر تقدمًا من حيث الأرقام والحضور؛ إذ أصبحت النساء جزءًا أساسيًا من غرف الأخبار، وتقلدن مناصب تحريرية وإدارية، وشاركن بفاعلية في مختلف مجالات العمل الصحفي. لكن، كما تشير فهمي، فإن هذا التقدم الكمي لا يلغي استمرار التحديات النوعية، مثل القيود غير المباشرة على الترقّي، أو التوقعات المجتمعية، أو طبيعة الملفات التي تسند للصحفيات مقارنة بزملائهن.
وتضيف أن المقارنة بين الماضي والحاضر تكشف مفارقة لافتة: فبينما كانت روز اليوسف استثناءً بارزًا في زمنٍ محدود الفرص، فإن المرأة اليوم أكثر حضورًا، لكنها لا تزال في كثير من الأحيان مطالَبة بإثبات مضاعف لجدارتها.
من جانب آخر تعتبر فهمي أن روز التي لم تكن مصرية بالميلاد، أصبحت مصرية بالفعل بالموقف، بالكتابة، وبالاشتباك مع قضايا المجتمع، في وقتٍ كانت فيه الوطنية تُقاس بالولاء، أعادت هي تعريفها لتصبح مرتبطة بالجرأة والمساءلة.
فقد كشفت تجربة روز اليوسف عن نموذج مختلف للانتماء، حيث لا يقاس الانتماء بالأصل، بل بالفعل، ولا بالهوية الوراثية، بل بالمشاركة في تشكيل المجال العام.

في مواجهة السلطة
لم تكن علاقة روز اليوسف بالسلطة خطًا مستقيمًا من القبول أو الرفض، بل كانت تاريخًا متصلًا من الصدام، بدأ مع لحظة تحول مجلتها التي ظهرت إلى النور عام 1925 من مساحة فنية إلى منبر سياسي، واستمر حتى سنواتها الأخيرة. منذ أن قررت أن ترى في مجلتها “برلمانًا موازيًا”، لم تعد الصحافة بالنسبة لها مهنة، بل موقعًا في معركة مفتوحة حول من يملك الحق في الكلام، ومن يحدد حدود هذا الكلام.
في أواخر العشرينيات، وتحديدًا عام 1928، بدأت اللحظة التي يمكن اعتبارها المنعطف الحقيقي في مسيرتها، حيث لم تعد صفحات المجلة تعنى بالفن وحده، بل أصبحت ساحة مواجهة سياسية مباشرة، خاصة مع انضمام محمد التابعي الذي منحها لغة سياسية أكثر حدة وتنظيمًا.
جاءت المواجهة في سياق سياسي مشحون، بعد إلغاء دستور 1923 على يد حكومة إسماعيل صدقي باشا في عهد الملك فؤاد الأول، وفي هذا المناخ، لم تكتفِ روز اليوسف بنشر مقالات نقدية، بل دفعت المجلة إلى مستوى آخر من الاشتباك، مستخدمة الكاريكاتير السياسي كسلاح مباشر، حيث تحولت الصورة إلى أداة فضح، لا تقل تأثيرًا عن الكلمة، وهنا بدأت السلطة تتعامل مع المجلة بوصفها خصمًا، لا مجرد صحيفة.
على إثر ذلك وتحديدا في عام 1930، وجهت إلى روز تهم مباشرة تتعلق بالعيب في الذات الملكية والتحريض ضد الحكومة، وتم القبض عليها وإيداعها سجن القناطر لمدة عام كامل، ولكن لم يكن هذا السجن حدثًا عابرًا في مسيرتها، بل كان لحظة اختبار حقيقية لموقفها من الصحافة نفسها.
في مذكراتها، لا تروي هذه اللحظة بوصفها انهيارًا، بل بوصفها استمرارًا للمعركة داخل مكان مختلف، إذ لم تبكِ، ولم تطلب وساطة، بل انشغل ذهنها بالعدد القادم، وكأن السجن لا ينهي المشروع بل يكشف حقيقته. رفضت تقديم أي اعتذار أو التماس للملك، وهو ما جعل من تجربتها في السجن لحظة تأسيس لصورتها كصحفية لا تنكسر، بل تزداد صلابة كلما ضاق المجال حولها.
من البقاء إلى الإقصاء
في ذروة صدامها مع السلطة، وتحديدًا في عهد إسماعيل صدقي باشا، كان يمكن استخدام السلاح الأسهل والأسرع: ترحيلها خارج البلاد. ففاطمة اليوسف لم تكن قد حصلت بعد على الجنسية المصرية، وكان يكفي قرار إداري واحد لتحويلها إلى “وافدة غير مرغوب فيها” تُعاد إلى طرابلس، لكن ذلك لم يحدث.
رغم سجنها عامًا كاملًا عام 1930، لم تنف، ولم ترحل، بل بقيت، وكتبت، واشتدت حدة صوتها، حتى حصلت لاحقًا على الجنسية المصرية عام 1935، ومن السلطة نفسها التي قيدت حريتها، وسجنتها، حيث لا تزال لدولة القانون في ذلك العهد أثرا.
هذه الواقعة، بكل وضوحها، تفتح مفارقة يصعب تجاهلها، ففي زمنٍ كان فيه الترحيل ممكنًا قانونًا، لكنه مؤجل سياسيًا، يبدو اليوم أن الإقصاء أصبح خيارًا أسرع وأقل تكلفة، خاصة في ما يتعلق بالوافدين أو المقيمين من خارج الإطار الوطني.
لم يعد البقاء نتيجة للفعل والتأثير كما كان في تجربة روز اليوسف، بل أصبح في كثير من الأحيان مرهونًا بشروط قانونية وإدارية ضيقة، يمكن أن تتغير في أي لحظة، وبينما استطاعت مهاجرة في ثلاثينيات القرن الماضي أن تكتب ضد السلطة من داخل البلاد، وأن تنتزع اعترافًا بوجودها، تبدو المساحات اليوم أكثر انكماشًا، والحدود أكثر صلابة.
هنا تحديدًا تبلغ الحكاية ذروتها، ليست في سجن روز اليوسف، ولا في صدامها مع الحكومات، بل في حقيقة أنها لم تقص حين كان إقصاؤها ممكنًا، بينما يصبح الإقصاء اليوم أكثر حضورًا حين يكون المنطق الإنساني أَولى.

روز اليوسف بصحبة نجلها إحسان عبدالقدوس – المصدر: أرشيف صحفي
استمرت روز قبل الجنسية كما بعدها إذ لم تكتف بصدامها مع القصر بل نزعت إلى الصدام مع حزب الوفد التي دعمته في بداياته باعتباره تعبيرًا عن الحركة الوطنية، لكنها لم تتردد في مهاجمته عندما رأت ممارسات محسوبية أو انحرافًا عن خطابه.
كما دخلت في صدام مباشر مع مصطفى النحاس ومكرم عبيد، وكان رد الحكومة الوفدية عليها تضييقًا اقتصاديًا واضحًا، عبر حرمان المجلة من الإعلانات الحكومية، وفقدت الحماية السياسية، لكنها احتفظت باستقلالها.
لم تتوقف المواجهة عند حدود السجن أو التضييق المالي، بل أخذت شكلًا إداريًا مباشرًا تمثل في إلغاء تراخيص المجلة أكثر من مرة، وهنا تحويل القيد إلى فرصة للمناورة، إذ لم تتعامل مع سحب الترخيص بوصفه نهاية، بل كعائق يمكن تجاوزه.
كانت تلجأ إلى شراء تراخيص مجلات متوقفة أو متعثرة، وتصدر من خلالها بنفس الروح والأسلوب، حتى وإن تغير الاسم، فتصدر تحت اسم “الشرق” أو غيره، بينما يعرف القراء، من اللغة والرسوم، أن الصوت لم يتغير.
هذه القدرة على الاستمرار رغم الإغلاق المتكرر لم تكن مجرد حيلة قانونية، بل كانت إعلانًا ضمنيًا أن الفكرة لا يمكن إيقافها بقرار إداري، وأن الصحافة الحقيقية لا تختزل في اسم مطبوعة.
مع قيام ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، بدا المشهد وكأنه يفتح صفحة جديدة، رحبت روز اليوسف بالثورة، خاصة في بدايتها، لما حملته من شعارات تتقاطع مع تاريخها في مواجهة الفساد.
لكن سرعان ما ظهرت المفارقة التي طبعت علاقتها بكل سلطة، فالثورة التي جاءت باسم التغيير، بدأت بدورها في إعادة تشكيل المجال العام بطريقة متشددة لاتتقف مع حرية التعبير والابداع.
حتى جاءت اللحظة الفاصلة عام 1954، حين نشر ابنها إحسان عبد القدوس مقاله الشهير “الجمعية السرية التي تحكم مصر”، منتقدًا انفراد مجلس قيادة الثورة بالسلطة، فتم سجنه لثلاث أشهر.
لم تكن هذه الواقعة مجرد أزمة عائلية، بل امتداد مباشر لمعركتها القديمة مرة أخرى، وجدت نفسها أمام اختبار اختارت في نهايته أن تبقى حيث كانت دائمًا، في صف الكلمة، لا في صف الامتياز، حيث لم تطلب العفو، ولم تغير خط المجلة، بل استمرت في ممارسة دورها داخل مساحة أصبحت أضيق من قبل.
في سنواتها الأخيرة، كانت روز اليوسف تدرك أن موازين القوى تغيرت، وأن الصحافة لم تعد تتحرك بنفس الهامش الذي عرفته في الثلاثينيات، ومع ذلك، لم تتخل عن جوهر مشروعها، بل استمرت في العمل داخل الممكن، دون أن تفقد وعيها بحدوده، حتى توفيت في العاشر من أبريل عام 1958.
بعد عامين فقط من وفاتها، ستشهد الصحافة المصرية تحوّلًا جذريًا مع قوانين التأميم عام 1960، التي نقلت ملكية المؤسسات الكبرى إلى الدولة، ومن بينها مجلتها، لكن روز اليوسف لم تشهد هذه اللحظة، وكأن مسيرتها توقفت عند الحد الذي رسمته لنفسها، أن تظل الصحافة، حتى آخر لحظة، مساحة للمواجهة لا للامتثال.
من برلمان موازٍ إلى صوت رسمي
لكن المفارقة الأكبر لم تكن في رحيل روز اليوسف، بل في ما حدث لمجلتها بعد ذلك، فالمشروع الذي تأسس على فكرة المواجهة، والذي عومل يوما كبرلمان مواز يناقش السلطة ويشتبك معها، وجد نفسه بعد قوانين التأميم عام 1960جزءًا من المنظومة التي كان ينتقدها.
لم تعد المجلة تتحرك من خارج مركز القرار، بل من داخله، تغيرت زاوية النظر؛ من مساءلة السلطة إلى شرح سياساتها، ومن كشف التناقضات إلى تقديم خطاب أكثر تماسكًا مع توجهاتها. لم يكن ذلك تحوّلًا في الاسم، بل في الوظيفة نفسها.
لم يكن هذا التحول نتيجة اختيار فردي، بل نتيجة سياق سياسي أوسع أعاد تشكيل علاقة الصحافة بالسلطة، وفرض على المؤسسات الإعلامية أن تتحرك داخل حدود جديدة، أكثر انضباطًا وأقل صدامًا، تدفع حرية الرأي والتعبير ثمنه حتى اليوم.

غلاف المجلة – المصدر: أرشيف صحفي
ختاما.. لا تعد روز اليوسف حالة فردية، بل جزءًا من موجة أوسع من المهاجرين الذين أسهموا في تشكيل الصحافة المصرية، لكن ما يميزها أنها لم تكتفِ بالمساهمة الثقافية، بل خاضت معارك سياسية مباشرة، وحوّلت مجلتها إلى منصة صدام مع السلطة، وفضاء مفتوح للنقد.
وقد لعبت مجلتها دورًا مهمًا في اكتشاف ورعاية أجيال من الصحفيين، الذين أصبحوا لاحقًا رموزًا في المهنة، وهو ما يعكس قدرتها ليس فقط على الكتابة، بل على بناء مؤسسة كاملة.
لم تكن روز اليوسف مجرد مهاجرة نجحت في مصر، بل كانت واحدة ممن أعادوا تعريف معنى الانتماء نفسه. لم تنتظر وطنًا يمنحها الاعتراف، بل صنعت لنفسها مكانًا بالكلمة، وفرضت حضورها في قلب المشهد الصحفي والسياسي.
| 1 | في عالم اليوم، قد تدفع هذه الطفلة إلى هامش طويل من الانتظار والرفض، لكن في ذلك الزمن، وفي تلك المدينة، كان هناك احتمال آخر: أن تتحول الغربة إلى قوة، وأن يصبح “الوافد” فاعلًا، لا عبئًا، من هذه اللحظة تحديدًا، تبدأ قصة امرأة لن تكتفي بالانتماء، بل ستعيد تعريفه، سميت فاطمة اليوسف واختارت روز اليوسف مسمى فنيا وصحفيا لها. |
| 2 | بدا واضحًا أن الوطن الجديد – مصر – بدوره مرحبًا بتحركاتها وانتقالاتها، وقد جاء هذا الترحيب في سياق أوسع لبلد كان، في مطلع القرن العشرين، يعيد تشكيل نفسه عبر تعددية نادرة، إذ لم تكن مصر آنذاك مغلقة على هوية واحدة، بل مساحةً تستوعب القادمين من الشام وأوروبا والأناضول، وتمنحهم فرصة المشاركة في صياغة المجال العام. |
| 3 | في ذروة صدامها مع السلطة، وتحديدًا في عهد إسماعيل صدقي باشا، كان يمكن استخدام السلاح الأسهل والأسرع: ترحيلها خارج البلاد. ففاطمة اليوسف لم تكن قد حصلت بعد على الجنسية المصرية، وكان يكفي قرار إداري واحد لتحويلها إلى “وافدة غير مرغوب فيها” تُعاد إلى طرابلس، لكن ذلك لم يحدث.
رغم سجنها عامًا كاملًا عام 1930، لم تنف، ولم ترحل، بل بقيت، وكتبت، واشتدت حدة صوتها، حتى حصلت لاحقًا على الجنسية المصرية عام 1935، ومن السلطة نفسها التي قيدت حريتها، وسجنتها، حيث لا تزال لدولة القانون في ذلك العهد أثرا. |
| 4 | لكن المفارقة الأكبر لم تكن في رحيل روز اليوسف، بل في ما حدث لمجلتها بعد ذلك، فالمشروع الذي تأسس على فكرة المواجهة، والذي عومل يوما كبرلمان مواز يناقش السلطة ويشتبك معها، وجد نفسه بعد قوانين التأميم عام 1960جزءًا من المنظومة التي كان ينتقدها. |




