اصدارات

حق ومعرفة (15).. مقال رأي,, هل القوانين وحدها تكفي؟ مفهوم تشديد العقوبات في جرائم العنف الجنسي ضد النساء والفتيات

بقلم: عمرو محمد
محامي حقوقي مهتم بقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي و مناهضة التمييز علي أساس الجنس/الدين/العرق

يُعد العنف ضد النساء من القضايا الشائكة في العديد من المجتمعات، إلا أنه في مصر يشكل تحديًا رئيسيًا بشكل شبه يومي نظرًا لخصوصية العنف؛ وسجل العام 2025 اكثر من 1200 جريمة عنف ضد النساء والفتايات، وترجع الأسباب المؤدية للعنف ضد النساء إلى العديد من الثقافات والأعراف، بخلاف بعض القوانين التي تُساهم بشكل مباشر في إفلات الجناة والتطبيع القانوني مع ثقافة العنف بدافع الشرف أو الاستفزاز كأحد الأسباب المؤدية لتخفيف العقوبات في بعض جرائم القتل! بالإضافة إلى بعض التفسيرات الدينية التي تُوظَّف بطرق تخدم ثقافة العنف والسيطرة على النساء.

على المستوى الثقافي

تلعب الثقافة دورًا كبيرًا في ترسيخ العنف وتبرير ممارساته ضد النساء؛ حيث تسود نظرة عامة لتقبُّل العنف ضدهن بدافع فرض السيطرة والتحكم من قبل أفراد الأسرة، وفي أحيانٍ أخرى من خارج الأسرة (من لهم سلطة وظيفية أعلى على سبيل المثال). هذا بخلاف العديد من الأمثال الشعبية التي تعزز من ثقافة العنف أو التمييز، ومنها على سبيل المثال: “الست مالهاش غير بيت جوزها وقبرها”، و”اكسر للبنت ضلع يطلعلها 24”. بخلاف بعض الأعراف التي تلعب الدور الرئيسي في ترسيخ العنف، وبخاصة في القرى وبعض المناطق الريفية التي يتم فيها التغاضي عن القوانين والاحتكام للجلسات العرفية التي تهدر حقوق النساء، وفي أحيان كثيرة دماءهن.

على المستوى القانوني

على الرغم من التطور التشريعي في السنوات الماضية في عدد من القوانين الخاصة بالنساء، ومنها التحرش الجنسي، والامتناع عن تسليم الميراث، وختان الإناث، لكن ما زالت تعاني النساء والفتيات من معدلات عنف مرتفعة، ترجع أسبابها ليس إلى غياب العقوبات الرادعة أو التجريم، بل لأسباب عديدة، منها صعوبة الإبلاغ، بداية من تعنت بعض القائمين على تحرير محاضر التحرش الجنسي الامتناع عن ذلك بالمخالفة للقانون و إعطاء تعليمات خطأ مثال هيعملك محضر قصاد محضر و تباتي في الحجز و دة غلط تماما، ايضا عبء الإثبات في قضايا العنف الأسري و التحرش الجنسي يقع على عاتق الضحية مما يدفع العديد من الضحايا عن التغاضي عن الإبلاغ، طول إجراءات التقاضي و الإرهاق النفسي و الجسدي، الخوف من تسريب بيانات الضحايا و الشهود، كل ذلك اضافة الي الخوف من الوصم المجتمعي، والتهديد، والملاحقة للضحايا، بجانب غياب ثقافة المحاسبة، فكثيرًا ما نقرأ عن تهريب الجاني لأسباب مختلفة، منها الحفاظ على مستقبله أو الرغبة في معاقبة الضحية على المطالبة بحقها. كما توجد بعض النصوص القانونية التي تُستخدم بشكل خاص في قضايا قتل النساء، ومنها المواد 7 و 17 من قانون العقوبات المصري، التي عادة ما تُستخدم لتخفيف العقوبة بدافع الشرف أو الاستفزاز.

لذلك يجب العمل على تغيير الثقافة المجتمعية السلبية، ورفع وعي النساء بحقوقهن وتوفير خدمات دعم قانوني آمن للضحايا، وتدريب القائمين على تلقي البلاغات، بداية من أقسام الشرطة والمديريات.

في المقابل استمرت جهود عديدة لعدد من مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بالشأن النسوي تقديم مسودة قانون عنف موحد للعنف ضد النساء والفتيات، طُرِحت مسودته للنقاش العام من خلال عدد من المؤتمرات تحت تنظيم وإشراف مؤسسة قضايا المرأة المصرية ومركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي بحضور عدد من النائبات بمجلسي النواب والشيوخ! في خطوة مبدئية لطرحه على عدد أكبر من النواب تمهيدًا لدخوله البرلمان بعد أخذ توقيعات 60 نائب\ه. وتجدر الاشارة هنا بأنها المرة الثالثة التي تحاول عدة مؤسسات تقديم المشروع للنواب لكن دون جدوى فحدث ذلك في دورة المجلس 2015 و2022! على الرغم من ارتفاع معدلات قتل النساء إلا أن المشرع المصري لم يرَ أنه ضرورة وجعله من ضمن الأولويات التشريعية على مدار 10 سنوات.

عندما يصبح القانون عائقًا أمام العدالة للنساء

فبرغم تشديد بعض النصوص القانونية الخاصة بالعنف ضد النساء خلال السنوات الأخيرة، ومنها التحرش الجنسي، وختان الإناث، مرورًا بالميراث. وبرغم إصدار بعض الأحكام الرادعة في قضايا قتل واعتداءات جنسية! لكن يظل السؤال؛ هل ذلك كافيًا؟

بكل تأكيد الواقع يؤكد بأن تلك الأحكام والنصوص القانونية ليست كافية! حيث أننا -وبرغم تلك القوانين- نُفاجئ بصدور حكم مخفف أو مع إيقاف التنفيذ في جرائم قتل، وذلك بسبب تعديل القيد والوصف في أغلبها. من قتل عمد، إلى ضرب أفضى إلى الموت، أو الدفاع عن النفس، مرورًا باستخدام حق التأديب كما هو مذكور بنص المادة 60 من قانون العقوبات وما يتبعها من استخدام نصوص أخرى (المواد 7 و 17 من نفس القانون) فمثلًا هذه الأحكام تبعث برسالة مفادها سهولة إفلات الجناة من العقاب.

على الرغم من السعي الدائم لمؤسسات المجتمع المدني المعنية بحقوق النساء، تحديدًا التأكيد على ضرورة إيقاف استخدام مواد الرأفة والحق الشرعي في التأديب في جرائم قتل النساء! لكن دون جدوى إلى الآن.

على المستوى الإعلامي

حيث أن الإعلام يساهم بشكل مباشر وغير مباشر في التطبيع مع ثقافة العنف ضد النساء، من خلال بعض المشاهد والأدوار التي تُعزِّز من العنف والتمييز ضدهن، سواء من خلال تقديم صورة الرجل العنيف على أنه مثال للرجل المسيطر صاحب الشخصية القوية، وهو ما يساهم في تقبل المجتمع لهذه الأفعال؛ حيث أن بعض الأعمال الدرامية تُجسِّد مشاهد العنف الجسدي واللفظي ضد النساء بطريقة طبيعية لا تستدعي الرفض، وأحيانًا يتم تبريرها تحت مسميات “تأديب الزوجة” أو “الحفاظ على كيان الأسرة”، وهو ما يساعد على زيادة معدلات العنف أو على الأقل تقبل المجتمع له. فيمكن للإعلام أن يكون دافعًا قويًا في مكافحة العنف؛ لما يمتلكه من أدوات قد تُساهم في تسليط الضوء على العنف وما يترتب عليه من تبعات ضارة على المجتمع ككل، وليس فقط الضحايا.

 

الفتاوى الدينية

عادة ما يتم استخدام بعض الآيات والأحاديث لتبرير العنف، والتشجيع على الطاعة المطلقة من النساء للرجال، وتهميش دور النساء في المجتمع من خلال بعض الفتاوى التي تُقلِّل من مكافحة العنف ضد النساء، وتُحرِّض بشكل علني على استخدام العنف من باب التأديب. وتُساهم مثل هذه الفتاوى في إضعاف دور الدولة في مواجهة العنف، كما تلعب دورًا رئيسيًا في تقبُّل المجتمع وأفراده للعنف بكل أشكاله. ولمواجهة ذلك، يتطلب الأمر العمل على تغيير الخطاب الديني وجعله يتماشى مع حقوق الإنسان، واحترام المساواة بين أفراد المجتمع الواحد.

على مستوى المجتمع المدني

حيث تعاني مصر منذ سنوات طويلة من غلق شبه تام للمجال العام؛ سواء السياسة أو الحقوق، بخلاف الفترة القصيرة من يناير 2011 إلى 2013.

وهذا ما أثر بالسلب على عمل المنظمات/المؤسسات النسوية/ الحقوقية ومدى تواجدها وانتشارها في مصر، وتقديم خدمات وأنشطة من خلال الورشة/ الندوات، وصولًا للدعم القانوني والنفسي، مما دفع العديد من هذه المؤسسات للإغلاق التام أو تعليق مؤقت للخدمات ومنهم العديد من هذه المؤسسات للإغلاق التام أو تعليق مؤقت للخدمات ومنهم العديد لجأ لتقديم الخدمات من خلال الإنترنت.

لكن بخلاف المجال العام والخطر الدائم على العاملين داخل هذا المجال، لتظل هناك بعض الأزمات داخلية وخاصة بالعلاقات داخل المجال نفسه بداية من ضعف التشبيك والتعاون بين تلك المؤسسات في قضايا بعينها منها العنف ضد النساء حيث تحاول كل مؤسسة الانفراد بتقديم الخدمات دون غيرها (من أجل الحصول على الدعم الحكومي/ الخارجي).

بالإضافة لغياب الشفافية وغياب آليات المسألة والحساب داخل بعض المؤسسات، مما يؤثر بالسلب على جودة الخدمة وضمان مساحات آمنة للضحايا وطالبي الخدمات.

ومن أهم الأسباب هو الدعم المالي بسبب غياب مصادر التمويل وضعفها في بعض الأحيان، مما يؤثر على استمرارية واستدامة الخدمات، وهو ما يضعف إعداد مقدمي الخدمات ومدى جودة الخدمة، وعدد متلقي الخدمات والدعم بالتبعية.

التدريب والتأهيل هو أيضًا من الإشكاليات الكبرى لنقص الكوادر المؤهلة لتدريب عدد كافٍ من الشباب داخل هذه المؤسسات.

وهذا ما يفسر نقص عدد مقدمي الخدمات بشكل تصاعدي خلال الفترة الأخيرة والاعتماد على أصحاب الخبرات، وهو ما يعرضهم في أحيان كثيرة للاحتراق الوظيفي.

في الختام

على الرغم من الجهود الرسمية لمواجهة العنف ضد النساء مرورًا بالأحكام القضائية المشددة في بعض جرائم قتل النساء، بداية من حادثة ذبح الفتيات بسبب رفضهن الارتباط أو طلب الانفصال بعد الزواج! إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لمواجهة زيادة معدلات العنف والقتل ضد النساء والفتيات داخل المجالين العام والخاص.

فقد ساهمت الثقافة المجتمعية في التطبيع مع العنف على مر العصور (علشان تبقي تقولي لا)؛ فمنذ الصغر يتم تربية الاطفال الذكور على عدد من الصفات التي يجب أن يكبر عليها ومنها ثقافة عدم تقبل الرفض، دائمًا ما نسمع منذ الصغر جملة (أنت الراجل مينفعش بنت تقولك لا) و غيرها من الجمل التي ترسخ ثقافة عدم تقبل الرفض! ليظهر فيما بعد التهديد والملاحقة كنتيجة منطقية لتلك النشأة، كما أشرنا في بداية المقال بجريمة المعادي حيث لم يتقبل الجاني الرفض وبدأ بالتهديد إلى أن نفَّذ جريمته.

عندما نسمع ونشاهد في الإعلام المرئي والمقروء ما يغذي هذه الثقافة من محاولات تبرير بعض الجرائم بدافع الشرف والحب والغيرة ليرسخ تلك الافعال الاجرامية ! مرورًا بمشاهد في بعض المسلسلات والأفلام ترسخ أيضًا لثقافة عدم تقبل الرفض، ومنها على سبيل المثال ما تم عرضه في رمضان الماضي بإحدى المسلسلات وهو تهديد مباشر من فنان لطليقته بإلقاء مياه نار على وجهها لو صممت على رفضها الرجوع (مسلسل العتاولة) وغيرها من المشاهد! فماذا ننتظر من ملايين المشاهدين في ظل مجتمع يتعرض غالبية النساء للعنف بأشكاله المختلفة سواء جسدي أو لفظي وغيره.

لذا؛ لا يُعد القانون وحده قادرًا على مواجهة هذه الظاهرة، بل يجب أن نواجه أنفسنا، بداية من تجديد الخطاب الديني الذي يُستخدم منه ما يدعم ثقافة العنف وتبريره للعنف ضد النساء من: خطاب طاعة الزوج، وحق التأديب، إلى الإجبار على العلاقة الزوجية، و مؤخرًا لوم الضحايا لرفضها الارتباط أو الزواج، في محاولة لنزع حق النساء في الاستقلالية بالقرار.

يأتي مع أهمية تجديد الخطاب الديني، مواجهة حقيقة أخرى لخطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي، من تحريض على العنف، أو تكريس لمفهوم السيطرة وإخضاع النساء، ونزع أي محاولة منهم للمساواة باعتبارها خروج عن المألوف.

أخيرًا، إن العنف ضد النساء ليس بمعزل عن سياق عام ثقافي واجتماعي يسمح للجناة بالإفلات من العقاب وتعزيز خطاب كراهية ضد النساء والفتيات، لذا يجب علينا تكريس الجهود لعلاج تلك الآفة التي أصابت المجتمع في الآونة الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى