بيانات صحفية-الاقليات

في اليوم العالمي للنوبة.. رامي يحيى يكتب: حرب الهوية

 

 

حين وصلتني رسالة المفوضية المصرية للحقوق والحريات سعدت جدًا لسببين، الأول هو أن هناك من يتذكر النوبة ويضعها على أجندته، وهو دأب المفوضية منذ سنوات، والثاني هو اختيار شخصي للمشاركة بالكتابة، فسارعت بقبول الدعوة.

لكن ما أن شرعت في التنفيذ حتى ذهبت السَكّرَة وجاءت الفكرة، ماذا سأكتب؟ ولمن؟ ولماذا؟ فالكتابة في حد ذاتها ليست غاية.. ولابد من هدف ما يبتغيه أي كاتب أو يرمي إليه من خلال كتابته، ومن الضروري أن يكون هناك قارئ مستهدف، وبداهة من الحتمي وجود موضوع.

فهل من جديد يمكنني أن أكتب عنه بخصوص النوبة كثقافة تُدفع دفعًا إلى هاوية الإندثار بفعل توجهات عنصرية للنظام العروبي الحاكم؟ أو عن النوبيين كأقلية مهمشة ومضطهدة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا؟ أو عن قضية حق العودة وتعنت الدولة في تنفيذ النص الدستوري المتمثل في المادة 236، الذي يقر بأحقيتنا في العودة لمناطقنا الأصلية؟

 

وإذا وجدت هذا الجديد.. لمن سأكتب؟؟ لنظام بلا آذان؟ أم لمجتمع مل قراءة المظالم بل مل الظلم ذاته.. فهو وكما نقولها بالعامية (اللي فيه مكفيه)، أم لأحزاب ومنظمات مدنية أغلب كوادرها بين مسجون أو هارب أو يعالج من اكتئاب ما بعد الصدمة؟ أو يعمل على رعاية هؤلاء.

ومن الأساس ما هو الهدف من الكتابة الآن؟.. هل الإصلاح؟ هذا نظام يسمع أو لديه نية في الإصلاح. وهل هذا الواقع “المنيل” قابل للإصلاح؟؟ أم كما يقال: نحن بحاجة إلى نيزك؟؟.
هل الهدف تثوير الجماهير؟ فأين هي تلك الجماهير.. أننا -وأنا أولهم- صرنا نشكر الأقدار لمجرد البقاء على قيد الحياة.

بالمصادفة أو هي الأقدار أرسل لي رئيس النادي النوبي بتهجير نصر النوبة، فيديو يتحدث فيه عن كارثة متكاملة الأركان. تتلخص الكارثة في انضمام بعض أبناء النوبة إلى ما يعرف باسم المجلس الأعلى للقبائل العربية، والمفترض أن هؤلاء المنضمين يريدون العمل لخدمة القضية النوبية من داخل ذلك المجلس.

 

وقعت عليا المعلومة كالصاعقة، فغير أننا كنوبيين لسنا عرب وأيضًا لسنا قبائل، فهذا الكيان تحديدًا أنشئ خصيصًا للهجوم على النوبيين المطالبين بالحقوق النوبية المهدرة، فأول تجمع لهم كان في سبتمبر 2011م، حين اعتصم عدد من أبناء النوبة أمام محافظة أسوان.. فيما يعرف باسم اعتصام 4 سبتمبر، في ذلك الوقت تجمعت اللبنة الأولى لهذا المجلس الأعلى.. تجمعت لتهدد المعتصمين بالاشتباك معهم إذا لم يفضوا الاعتصام، أي أن هذا الكيان بدء بتجمع لما يعرف شعبيًا بـ المواطنيين الشرفاء.

اعتصام 4 سبتمبر..

تطور الكيان سريعًا وضم أسماء بارزة مثل السيد رئيس البرلمان الحالي، وصارت له اتصالات مرموقة، مثل التي استخدمها وقت قافلة العودة النوبية للتهديد عبر شخصيات سياسية بالهجوم على المعتصمين وفتح طريق أبوسمبل السياحي عنوة.

قافلة العودة النوبية.. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تطور الكيان أيضًا على مستوى المسمى، فبعد الهجوم الشديد على تحويل المواطنين الشرفاء إلى كيان رسمي عنصري يضع المدينة الهادئة على صفيح ساخن بوضع العرب في مواجهة النوبيين وباقي مكونات الأهالي غير العرب، تم إضافة “والمصرية” للاسم، ليصبح الاسم: المجلس الأعلى للقبائل العربية والمصرية، وإن نسوا تعديله في الشعار على صفحة فيسبوك؟

المجلس الأعلى للقبائل العربية والمصرية

 

وهو اسم شديد العبثية والخطورة في آن واحد، عبثي لأن الدولة كفكرة هي شكل اجتماعي متجاوز لمفهوم القبيلة، ثم ما جدوى كيان يضم القبائل العربية في دولة تحمل صفة العروبة.

خطر لأن هذه الصياغة للاسم تفرق بين العربية “و” المصرية.. أو بمعنى أوضح تجعل من القبائل العربية غير مصرية، وهي رسالة خطيرة.. وتصبح أكثر خطورة إن كانت غير مقصودة، فبذلك يكون من يدير الألعاب السياسية للدولة في ملفات بهذه الحساسية غير مدرك لمعاني الكلمات التي يستخدمها.

ويبقى السؤال لما كل هذا الكم من الاستعراب؟ وفي مواجهة من؟ الاسم الرسمي للدولة ينتهي بكلمة “العربية”، اللغة الرسمية للدولة هي العربية.. وتم رفض الاعتراف باللغات المصرية الأكثر أصالة كالنوبية والأمازيغية والقبطية، بل وتم الهجوم على الاقتراح داخل اجتماعات لجنة الخمسين وفي كواليسها، بل أمتد الهجوم ليصل إلى حد التشهير والتخوين على صفحات الجرائد.

 

دستوريًا يحظر تكوين الأحزاب على أساس ديني أو عرقي أو طائفي، لكن عمليًا يستثنى من هذا الحظر الإسلام (حزب النور نموذجًا).. العروبة (الحزب العربي الناصري نموذجًا)، وكأن المادة 74 من الدستور صيغت هكذا فقط لتقويض أمكانية تكوين أحزاب للنوبيين أو الأمازيغ أو الأقباط.

حزب النور

الحزب العربي الناصري

حين رأيت هذا العبث والخطر لم أهتم باسماء من أنضموا من النوبيين لهذا الكيان، فالمتمرغين في تراب الأنظمة كُثُر ومتوفرين في كل زمان ومكان، فقط همني الشباب حديث السن وغير المسيس.. هل سيكون واعيًا لمثل هذه المؤامرات والأفخاخ السياسية؟

فدخلت لأحد الجروبات النوبية وطرحت سؤال حول مدى اهتمام الشباب بقضايا “الأمة العربية” ولماذا؟، وهالني أن جاءت أغلب الإجابات بالاهتمام المبني على الانتماء للعروبة، عن أي انتماء يتحدث هؤلاء الشباب؟ هل شبابنا يتعامل مع الجانب المعلن عن “العروبة” بوصفها قومية سياسية قائمة على وحدة اللسان، في حين أن القائمين على الدولة يتمسكون بعرقية العروبة ويأكدون على البعد القبلي لها.

هذا التوجه العرقي القبلي في رؤية العروبة ليس حكر أو خطأ في الفهم من النظام المصري، بل هو نهج تسير عليه كافة الأنظمة العروبية، فالأمازيغ لم يحصلوا على حقوقهم في شمال إفريقيا إلا بعد نضال كبير وتضحيات ضخمة أبرزها ما عُرف باسم الربيع الأمازيغي، ومازال نضالهم قائم، والكُرد ذاقوا الويلات عل يد النظام البعثي العروبي في سورية والعراق، وفي موريتانيا هناك الألاف من المواطنين ترفض الدولة منحهم الجنسية لأسباب قبلية وعرقية.. فيما يعرف بـ أزمة البدون، وهي أزمة عالمية تتعملق في الدول العروبية، ما يؤكد أن ما يقال عن العروبة بوصفها وحدة لسان هو محض (ضحك على الدقون).

الربيع الأمازيغي

الكرد

البدون

أما أخطر ما في الأمر أن تاريخ قارتنا يقول أن علو صوت النزعة القبلية داخل الدولة ينتهي باقتتال أهلي، كما حدث في رواندا بين الهوتو والتوتسي وخلف أكثر من مليون قتيل. 

أن ما ينتهجه النظام المصري عبر تكوين ودعم مجلس القبائل العربية هو عبث شديد الخطورة بالمكونات الإثنية للمجتمع، فاستخدام أحد المكونات الأثنية للمجتمع كمخلب للدولة في مواجهة أثنيات أخرى يشبه كثيرًا ما فعله النظام السوداني السابق في مواجهة سكان إقليم دارفور من قبائل الفور والزغاوة والمساليت.. بدعم تكوين عصابات من القبائل العربية في الأقليم نفسه، والتي حملت اسم الجنجويد بقيادة موسى هلال، وتولت هي عملات القتل والترويع نيابة عن الأجهزة الأمنية، واليوم صارت تلك المليشيات تعرف باسم قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي. ما يعني أن مثل هذه التحركات هي لعب حقيقي بالنار، نار تحرق المجتمع… وتدمر الدولة من داخلها. وأني لأرجو من أي قوى غيبية أن يفيق القائمون على النظام من غفوتهم وينتبهوا لمدى كارثية ما هم مقدمون عليه.

إقليم دارفور

الجنجويد

موسى هلال

الدعم السريع

ولأني لا أجد من أخاطبه في أجهزة الدولة فخطابي، وكما اشرت سابقًا للداخل النوبي، لكل من يعمل مخلصًا في هذا الملف الشائك، لم يعد لدينا الوقت ولا الحق في ترف الخلاف أي كان سببه.. ليس أمامنا إلا العمل معًا ولو مُكرهين، بالقطع لا يتوافر أي شرط من شروط التنظيم.. لكن لن يستطيع أحد غيرنا منعنا أن نسير متفرقين ونضرب معًا.

 قد يستطيع النظام الآن أن يكسب معركة الأرض لكن لن تنتهي الحرب ما دمنا صامدون على جبهة الهوية، والعكس.. فلا جدوى من العودة إلى الأرض بلا هوية، فإن كنا نلوم على أجدادنا أن سمحوا باقتلاعهم من النوبة فلن يسامحنا التاريخ إن سمحنا باقتلاع النوبة من داخل أبنائنا.

فلنتحرك لإنقاذ هويتنا الآن.. أو نصمت للأبد.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى